في البداية أنهم ينتظمون من أجل صلاة الجماعة. وفي الوقت ذاته، كان الحضور الواضح غير المعلن لأخرين يهدد بعرقلة الحوار الوطني المزمع. فلم تكن عناصر الأمن في زيها الرسمي وحدها الممثلة للنظام في معرض الكتاب. فمتى ازدادت الحشود لم يجد الأمن الذي يرتدي الملابس المدنية غضاضة في إشعار الناس بوجوده. كانوا عناصر قوية البنيان ترتدي الملابس المدنية ومسلحة بهراوات ليست مخفية بعناية في ملابسهم، وكان هؤلاء يظهرون بين الحين والآخر بل وفي لحظة بعينها أحاطوا بالمدخل الرئيسي بالكامل. وقد أخذت التعليمات الموجهة للناس شكل دفعهم بغلظة أحيانا حتى بدأ الغضب يعلو وجوه الشبان الملتحين الذين راحوا يرددون هتافات «الله أكبر، الله أكبر» ، والتي صاحبها أحيانا اندفاعات غليظة، حتي بدا المشهد مهيأ لمواجهة. فتدخل الشيخ الغزالي عبر الميكروفون قائلا بحزم إنه لا يجب استخدام تلك الهتافات، ثم دعا فورا لصلاة الظهر. توقف الشبان عن الهتاف وراحوا ينتظمون من أجل صلاة الجماعة، بينما شرع البوليس السري في الذوبان وسط الجماهير. كان إذن حوارة سبقته إقامة الصلاة، كأداة لقطع الطريق على الاندفاع نحو العنف العنف. .
وتستمر المناظرة حول النظام الإسلامي والعلماني لثلاث ساعات دون حادثة عنف واحدة. تحدث الغزالي أو بينما احتمالات العنف لا تزال كامنة في القاعة. وقد استهل حديثه باستعراض تاريخ الغزو والنهب الغربي والذي هو في الجوهر من قصة وجود الغرب في العالم الإسلامي. ويذكر الغزالي جمهوره بأن المصريين قد انتصروا في كفاح استمر مئة عام ضد اغتصاب وعنف المستعمر، ولكنهم فعلوا ذلك بثمن باهظ لأنفسهم ولتراثهم الإسلامي الثمين، «فقد صرنا شخصيات مشوهة أبعد ما نكون عن تراثنا» . قالها الغزالي بقسوة ووضوح. فقد سعى الكثير من المصريين التبني أساليب المستعمر بعد أن تحطمت ثقتهم بأنفسهم. وأضاف الغزالي محذرا أن ذلك التبني للعلمانية قوض الهوية والشعور بالانتماء الذي يقدمه الإسلام. فلن يحقق المصريون نجاحا في العالم الحديث إلا عن طريق «تجديد علاقتنا بالإسلام وتحرير أنفسنا من الاستعمار التعليمي والتشريعي والفكري» . بهذا المعنى، قدم الغزالي الأمل في الدولة الإسلامية ورفض فكرة تقليد العلمانية الغربية.
هل تقدم المجتمعات الغربية فعلا نماذج تستحق التقليد الأعمى؟ يرفض الغزالي التغاضي عن النواقص التي تعتري حتى أقوى المجتمعات العلمانية في الغرب، ذاكرة