عجزت عن صياغة مشروع وطني وهوية وطنية جامعة وشاملة. وكان البشري هنا يكرر نقده المعروف لنماذج التنمية المبنية على التقليد، والتي تبنتها نظم الحكم الملكية والثورية، والتي لم تستجب في النهاية لحاجات مصر.
ثم ربط البشري ذلك الانفصال الخطر بين سلطة الدولة والأهداف الكبرى بالطبيعة التعسفية لسلطة الدولة؛ فقد رفضت الدولة المصرية الإطار الإسلامي الموروث كأساس لشرعية سلطة الدولة، ولجأت بدلا منه إلى النماذج العلمانية الغربية، ولكنها فعلت ذلك دون إخضاع سلطة الدولة للقيود الديمقراطية كما هو الحال في الديمقراطيات الغربية، وكانت النتيجة - كما شرحها البشري - ليس فقط مجرد السلطوية؛ فما نشأ نتيجة لذلك، كان نظام من الحكم التعسفي دون علاقة عضوية بالأهداف الاجتماعية الأكبر. فلم يكن هناك اليات فاعلة ومنظمة متعارف عليها ترشد ممارسات الدولة وسياساتها على نحو يجعلها تتسق مع المصلحة الوطنية الأصيلة؛ ففي النظام الإسلامي، فإن سلطة التشريع محكومة بالمقاصد العليا للإسلام، وفي الديمقراطيات الغربية يتحتم على سلطة التشريع أن تعمل على نحو يستجيب للمبادئ الديمقراطية الكامنة وراء الية الحكم الديمقراطي. إلا أن أيا من هذه القيود لم يكن حاضرة في السياق المصري. وبهذا المعنى فإن سلطة الدولة المصريةكما يقول البشري - انحرفت بعيدا عن أي إطار أوسع لمقاصد عليا أرادها الشعب أو أجمع عليها.
وقد ختم البشري تحليله بتقييم للظروف الخارجية المتغيرة التي رأى أنها خلقت مخاطر إضافية؛ ففي عصر العولة، فإن أشكالا جديدة ومتزايدة من الضغوط الخارجية صارت تفرض نفسها على الأم الصغيرة؛ ففي نهاية القرن العشرين، انحسرت بقوة قدرة الدولة المصرية على التعامل مع تلك القوى الخارجية. ومن ثم رغم أن الدولة ظلت بالغة القوة على الساحة الداخلية إلا أنها أصبحت ضعيفة وتعاني انکشافة في البيئة الخارجية. ولا أمل في رأي البشري في الحفاظ على الهوية الثقافية المصرية المتميزة، والانطلاق نحو تنمية مستقلة، دون جهود متضافرة من جانب جماعة وطنية قوية تدعم جهود الدولة في مقاومة التدخل الأجنبي. إلا أن الدولة عبر هيمنتها على المجتمع وجناحه الإسلامي القوي على وجه الخصوص قد حرمت نفسها من ذلك الدعم، ومن خلال تلك الرؤية الفكرية المتميزة، قال البشري إن قمع الدولة للتيار الإسلامي، كإحدى القوى المهمة في ذلك المجتمع الأهلي،