والحياة العامة. ومع نهاية المؤتمر كان واضحا أن أولئك الثلاثة قد جاءوا لا فقط كأفراد لهم مكانتهم، وإنما كمشاركين رئيسيين ينتمون إلى مدرسة إسلامية فكرية أنتجت جسدا متماسكة من البحوث الجماعية، وبنت سجلا مقدرة من المداخلات العامة.
أما التيار الإسلامي الذي عادة ما يتولى آخرون الحديث عنه في مثل تلك المنتديات، فقد وجد هذه المرة صوته القوي الذي يتحدث باسمه. ورغم أن كلا من المتحدثين الثلاثة قدم إسهامه الفردي إلا أن مداخلاتهم كانت ذات طابع متماسك عکست رؤية إسلامية تتفق عليها مدرستهم الفكرية؛ فقد حلل البشري الاستمرارية في أنماط هيمنة الدولة في مصر، بينما وصف أبو المجد السياق العالمي المتغير وتأثيره على العلاقة بين المجتمع والدولة.
أما العوا فقد عرض لسجل التيار الإسلامي الإصلاحي وآفاقه المستقبلية في مواجهة سلطوية الدولة. وكانت تأملاتهم جميعا بشأن البيئة الدولية الجديدة والدولة والتيار الإسلامي بمثابة جولة تلقي الضوء على آفاق المستقبل في نهاية القرن من وجهة نظر إسلامية وسطية. وكانت كلماتهم - والتي أكدها حضورهم نفسه في ذلك المنتدى - إشارة إلى حتمية إدراج الوسط الإسلامي في الوسط السياسي؛ فقد أثبت الإسلاميون الجدد الثلاثة أن الوسط السياسي وحده - بعد تقوينه عبر ضم الوسطية الإسلامية - هو مفتاح الأمل في صياغة مشروع وطني قادر على مواجهة التحديات المتزايدة في القرن الجديد.
وقد عرض المؤرخ البارز طارق البشري المعضلة المركزية التي تواجهها السياسة
المصرية؛ فالدولة القومية التي يعود تاريخها إلى عهد محمد علي قد هيمنت بالكامل على الشؤون الاجتماعية والمدنية، وقد فعلت ذلك بغض النظر عن طبيعة الترتيبات الدستورية أو التوجهات الأيديولوجية؛ ففي عهد الإقطاع أو الرأسمالية أو الاشتراكية على السواء هيمنت سلطة الدولة بانتظام على العمل الأهلي والاجتماعي، وأضعفت ما أطلق عليه البشري والمجتمع الأهلي. ورغم أن البشري استخدم تلك المصطلح بشكل مماثل لما درج الغربيون على الإشارة إليه من خلال تعبير المجتمع المدني، إلا أن تعبيره تجنب فكرة وجود أي تعارض بين الأهلي والديني، ومن ثم تفادي ما يستدعيه ذلك ضمنية من استبعاد المؤسسات الإسلامية. وقرر البشري أن هيمنة الدولة قد أجهضت أو منعت جهود القوى الاجتماعية المستقلة نسبيا لني هدفت إلى صياغة مصلحة وطنية جامعة. وفي الوقت ذاته، ثبت أن نظم الحكم قد