الصفحة 213 من 344

ويضع الفكر السياسي المؤمن بالتدرج لدى الإسلاميين الجدد الأساس اللمستقبل الذي يكون فيه التيار الإسلامي جزء لا يتجزأ من التيار الأساسي السياسي السائد في مصر. وهم يعتبرون ذلك المستقبل بعيدة ولكن يمكن الوصول إليه، ويعملون بصبر لتحقيقه كأولوية أولى. ويقف الإسلاميون الجدد بقوة ضد الاستراتيجيات الإقصائية والعجولة للإسلام السياسي التي تسعى إلى السيطرة على مؤسسات في المجتمع السياسي والمدني؛ فمن وجهة نظر هؤلاء المتعجلين، فإن تلك

الجزر» الإسلامية قد تشكل النواة اللازمة لمجتمع إسلامي يحل محل الترتيبات القائمة بالقوة إذا لزم الأمر. ويرفض الإسلاميون الجدد صراحة تلك «الاختراقات وذلك «المجتمع الموازي» لصالح تغيير اجتماعي وثقافي تدريجي سلمي للمجتمع ككل.

ومن أجل تحقيق ذلك، يؤكد الإسلاميون الجدد على أهمية تكريس الشعور بالانتماء الحضاري الذي يرى مصر كجزء من العالم العربي الإسلامي. وهم يعرفون تلك العالم في إطار قيمته الذاتية لا في شكل تضاده مع الغرب؛ فالحضارة التي انتمت لها مصر بجذورها الإسلامية الثرية والمتميزة طالما تفاعلت بحرية مع العالم الأوسع من حولها، وعليها أن تستمر في مثل ذلك التفاعل. ومن وجهة نظر الإسلاميين الجدد، فإن نهضة مصر تحتاج إلى الثقة بالنفس التي تمكن من التعلم من كل الدنيا، ولكن دون أن ينسى المصريون الغرض من تلك التعلم. وهو ما يتطلب -أيضا- القدرة على التمييز بين الرجوع إلى ماضي مصر، وبين الغرق فيه. وسيكون من الضروري الوقوف في تلك الخبرة التاريخية على ما يساعد على بناء طريق جديد نحو مستقبل مختلف تماما ومتغير بشكل مستمر.

ومن ثم فقد بني الإسلاميون الجدد موقفهم الوسطي على أرضية إسلامية قوية دون عزل المصريين عن التيارات الرئيسية في الفكر المعاصر. وهذا الفكر الجديد يعبر عن تأملات ورؤى التيار الإسلامي في شكل نظري يسلط الضوء على الخبرات الناجحة، بينما يستحيب بشكل منفتح للظروف الجديدة التي يفرضها عصر العولمة. وبتلك الطريقة، فإن الأعمال النظرية للإسلاميين الجدد عن الهوية الحضارية تسهم في توفير نقطة ارتكاز للجهود المصرية الساعية لخلق مسار مستقل للمستقبل في وجه ضغوط الهيمنة الأتية من الغرب. وفي الجوهر من ذلك تقع الثقة الحضارية بالنفس التي حافظ عليها الجناح الإسلامي من الحركة الوطنية، وطورها الإسلاميون الجدد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت