الصفحة 201 من 344

وفي مواجهة ذلك الواقع التاريخي الكئيب، يعتبر الإسلاميون الجدد أن الإسلام يمثل إلهامة يختلف في معناه من جيل إلى جيل، وهم يرفضون التقيد بالأخطاء السياسية المؤسفة التي ارتكبتها الأجيال السابقة أو حتى المعاصرون الذين اعتمدوا على بدائل سياسية سلطوية، ويقول القرضاوي بوضوح «أن التخلي عن الشوري كان أول ما أضر بالأمة الإسلامية ففيروس الدكتاتورية الذي أصاب الامبراطوريتين الرومانية والفارسية انتقلت عدواه إلى الحكم الإسلامي حين نقل المسلمون أسوأ ما في تلك النظم (15) . وقد انتقلت عدوى الاستبداد مبكرا وتمكنت من الأمة مما خلف آثارا كارثية. وقد وصف فهمي هويدي تداعيات ذلك عبر فترة طويلة من التاريخ السياسي في العالم الإسلامي باعتباره «سلسلة من الكوارث التي كانت تختلف فيها فقط الأسماء والأماكن» . وقد ظهرت عبقرية الإسلام تاريخية في مجالات أخرى غير السياسة (16) ، لذلك لم يتردد الإسلاميون الجدد في التقليل من فائدة النماذج التاريخية التي ظهرت في العالم الإسلامي، وهم -أيضا- لا يوافقون على مزاعم نظم معاصرة أخرى تدعي أنها تمثل النموذج الإسلامي للحكم الديمقراطي (17) . وهم في هذا الصدد يفضلون الاسترشاد بخبرات تاريخية لأم أخرى خصوصا في الغرب

ويسعى الإسلاميون الجدد في اجتهادهم بشأن النصوص إلى استلهام الوحي، لا الخبرات التاريخية الفاسدة، وقراءتهم للنص تعتبر الشورى وسيلة أقرها القرآن وأكدتها السنة وهدفها تحقيق العدل الذي هو مهمة الحاكم، وذلك بناء على المشاركة الكاملة، واحترام حقوق الناس التي منحها الله لهم. وسواء في انتقادهم للنظام أو في ترشيدهم للتيار الإسلامي أو في احتوائهم للمتطرفين، فإن الإسلاميين الجددكما يقول هويدي -يهدفون إلى تصحيح الأفكار المشوهة عن الإسلام من أجل إفساح المجال لتلك القراءة الديمقراطية للنصوص حتى تحتل الصدارة.

وهم يعترفون بأن الديمقراطية الإسلامية التي تفي بحاجات العصر مشروع لم يتحقق بعد، ومن ثم فهم يركزون جهدهم على مهمة طويلة الأجل تتمثل في وضع الأساس التعليمي والثقافي لمنظومة سياسية إسلامية تحتل فيها قيمة العدل مكانة جوهرية، وتكون فيها الديمقراطية الوسيلة لتحقيقها، وفي هذا الصدد تحديدة يدعون الفقه الإسلامي إلى تبني ما توصل إليه الفكر السياسي والدستوري الغربي، ويقول محمد الغزالي دون حرج إن الفقه الدستوري الإسلامي «متخلف للغاية» ،ودعا المفكرين الإسلاميين إلى أن يستعيروا كما يشاءون من الغرب فيما يتعلق بالمفاهيم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت