على صعيدين، فعلى المستوى النظري المجرد يعتقد الإسلاميون الجدد أن استراتيجيات التنمية تعكس بالضرورة قيم المجتمع الذي أنتجها ومعاييره، وأن مقاييس التقدم قد تعكس أو لا تعكس موقفا ملائمة لظروف سياقات أخرى. أما على مستوى السياسات، فإن الإسلاميين الجدد يقررون أن التغير في التوصيات التي تأتي من الحكومات الغربية بشأن السياسات من خلال برامج المعونة أو المؤسسات المالية الدولية التي يهيمنون عليها- إنما تعكس غالبأ توازنات القوى الداخلية في المجتمعات الغربية، كما تستدعيه احتياجات البيئة الدولية المتغيرة أو التطورات الجديدة فيها. ومن هذا المنظور تعكس الأفكار الأمريكية عن التنمية مدى التغير في التعريف الأمريكي للمصلحة الوطنية ولا تعكس سجلا يعتد به من زيادة في المعرفة أو الخبرة في مجال التنمية.
وإزاء تلك التحديات فإن «خلاص» مصر - إذا ما استعرنا تعبير فهمي هويدي - يقوم على إدراك أن المصريين رغم فقرهم إلا أنه لا إنانينهم ولا حضارتهم يجوز وصفها بالتخلف (53) . ويؤمن الإسلاميون الجدد بأن تاريخ مصر وتجربتها الثقافية ذات أبعاد إيجابية طويلة الأجل يمكن أن تسهم إسهاما مهما في تعريف التقدم وتحديد الاستراتيجيات الواجب اتباعها لتحقيقه. وبنفس تلك الروح التي لا تأخذ موقفا دفاعية- على نحو يمكنها من مواجهة مواطن «التخلف، يلفت الإسلاميون الجدد الانتباه إلى مواطن القوة التي تنبع من تاريخ مصر وثقافتها.
فالإسلاميون الجدد يؤمنون بأن المجتمعات البشرية مكلفة من الله بتحقيق التقدم
وفق معايير تحفظ الكرامة الإنسانية وتحقق العدل. وهم ينظرون إلى سجل الغرب في التقدم الاقتصادي من ذلك المنظور ويجدونه قاصرة في جوانب مهمة. وبجدية تماثل تلك التي يتسم بها النقد الإنساني للعولمة في الغرب يشيرون إلى أن المجتمعات الغربية وحتى تلك الأكثر تقدما بينها قد عجزت عن حل مشکلات الفقر. ويلفتون الانتباه إلى القوة السياسية المتنامية للأقليات الثرية التي تهيمن على تلك المجتمعات وما يمثله تركز الموارد المالية في يد حفنة صغيرة من تهديد للعملية الديمقراطية (54) .
ويتعامل الإسلاميون الجدد مع ثورة المعلومات بالتوازن نفسه؛ فهم يدركون أن النظام العالمي الجديد قد برز نتيجة لزواج التكنولوجيا الجديدة للمعلومات والسوق العالمي، وما يستتبع ذلك من تأثيرات عميقة على كل المجتمعات الإنسانية، وهم يقفون بقوة ضد العناصر الرجعية في التيار الإسلامي التي تجد في الحاسبات الآلية