الصفحة 177 من 344

أنه لا يمكن لأي مجتمع أن ينأي بنفسه عن السوق الرأسمالي العالمي والثورة التكنولوجية والعلمية التي تؤدي لتلاحمه. ولكنهم على وعي -أيضا- كما يشير الدعم الذي لاقته البنوك الإسلامية بأن الأشكال المختلفة للارتباط بالسوق العالمي وتوقيتاتها تمثل قضايا محورية مفتوحة للتفاوض والتعدد، ومن ثم يرفضون بقوة وجود نمط واحد يناسب الجميع.

كما يرفض الإسلاميون الجدد أطروحة نهاية التاريخ الشهيرة المبنية على التوسع العالمي للرأسمالية، والديمقراطية الليبرالية في شكلها الأمريكي، معتبرين مثل تلك الأطروحات نوعا من الزهو الأيديولوجي بالنصر، الذي يكشف الكثير عن الغطرسة الأمريكية لا عن الحتمية التاريخية. وهم لا يقبلون القول بأن الصياغات الأمريكية قد قدمت حلا للإشكاليات الإنسانية الكبرى. ويشيرون أولا إلى أن العالم ببساطة لا يملك الموارد التي تمكنه من تعميم النمط الأمريكي؛ فالرخاء الأمريكي يعتمد على استهلاك نصيب هائل من الموارد العالمية والقدرة على حماية ذلك الاستهلاك. والأهم من ذلك هو أن تأثير النموذج الأمريكي على البشر والكون لم يكن أبدا إيجابية في كل الأحوال. وحتى لو كان التقليد ممكنة، فإن الإسلاميين الجدد يشكون فيما إذا كان مرغوبة.

وهم يعتبرون أن التقدم بالنسبة لمصر له معان متميزة ومتعددة الأوجه. فرغم أن تقدم الاقتصاد يظل في القلب من منهجهم، فإن الأسلوب الذي يتناولون به القضايا الاقتصادية الأساسية يتضمن محددات حضارية وأخلاقية مثلما يتضمن الاحتياجات المادية البحتة. وحين يوجهون خطابهم إلى التيار الإسلامي فإنهم يحذرون من تجاهل الناشطين الإسلاميين العاملين في المجال الاقتصادي لعلم الاقتصاد كأحد العلوم الاجتماعية، ويدعون إلى تجنب الانصراف فقط إلى الفروض الأخلاقية المجردة. ويقولون صراحة إن المعرفة بالدين لا يمكنها أن تكون بديلا عن المعرفة النظرية والعملية بالاقتصاد (52) . ولا يجوز على وجه الخصوص تجاهل الإنجازات الغربية في مجالات مثل التقنيات الإنتاجية الحديثة، والهندسة الوراثية، وتكنولوجيا المعلومات. إلا أن إعجابهم هذا بالتقدم والتنمية. يترجم إلى احتفاء لا مشروط بأي نموذج تنموي بعينه؛ فالإسلاميون الجدد يؤمنون بأن النظريات الغربية للتنمية تأخذ أشكالا مختلفة تعكس المصالح الغربية المتغيرة، كما تعكس الخلاصة الموضوعية للتجربة الاقتصادية ومن ثم ينبغي الحذر. وينطبق ذلك المنهج النقدي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت