بشرط ألا تنتهك أمرا إسلامية واضحة ومؤكدة. ورغم انفتاحهم على الغير إلا أنهم -أيضا- أثبتوا وعيا راسخا بأن التحولات الراديكالية في الاقتصاد خصوصا على المستوى الماكر وقد أضرت بالجماعة الوطنية المصرية (45) . ومن ثم يؤكد الإسلاميون الجدد على التحول التدريجي الذي يوازن بين الحاجة للابتكار وبين تقدير إنجازات الماضي.
وينبع تلك الميل القوي نحو التدرج، في جانب مهم منه، من التزام الوسطية بالتوصل إلى أرضية مشتركة قد تخلق وسطا وطنيا بشأن المسائل الاقتصادية. وفي تقويمهم للمؤسسات والممارسات الاقتصادية، يؤكدون على الإسهامات التي تخدم الصالح العام لا على مصدر تلك الأفكار، وبغض النظر عن استلهامها لأي من التوجهات والمدارس الاقتصادية التي تنافست طوال القرن العشرين. ولم يهتم الإسلاميون الجدد بالمفاضلة بين الاشتراكية العربية التي تبناها عبد الناصر أو سياسة الانفتاح التي شرع فيها السادات، بقدر ما اهتموا بالإبقاء على أفضل ما جاءت به كل منهما من أجل المستقبل. ويبدو ذلك التوجه واضحا في بيان الإسلاميين الجدد والطريقة التي تناولوا بها كلا من الفترتين. ففيما يتعلق بالطابع الاشتراكي للحقبة الناصرية، سعى الإسلاميون الجدد إلى التأكيد على اهتمامها بصالح المجتمع والتقدم الذي أحرز في مجالات التعليم والصحة وغيرها من جوانب التنمية الاجتماعية، بينما يسجلون أسفهم لما انطوت عليه تلك المرحلة من تجاهل للحقوق والحريات الفردية. وقد وجد الإسلاميون الجدد في الحقبة التالية - التي تضمنت انفتاحا على السوق العالمية - أملا في مزيد من الرفاهية والتوسع في الحريات رغم ما سجلوه من مؤشرات الإفراط في الانحياز للمصلحة الشخصية واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء. وقد قرر بيانهم صراحة أنه قد آن الأوان للتخلي عن المعايير الأيديولوجية إذ صار المهم ما إذا كان مفهوم بعينه أو ممارسة بعينها تخدم الصالح العام (46)
وقد انعكست تلك الروح الوسطية الجامعة نفسها في البحث حنى عن خطوات صغيرة من شأنها إذا ما تراكمت أن تحقق تقدما اقتصادية؛ فقد عمل الإسلاميون الجدد على إيجاد نقاط إجماع على مسائل اصغر وإن ظلت مهمة يمكن أن يتفق عليها الجميع. وقد حددوا تلك العناصر الجامعة - من قيم رئيسية كالعدل واحترام الكرامة الإنسانية - التي تميز التزامهم الإسلامي ولكنها في الوقت ذاته لها مكانة معتبرة في فكر تيارات أخرى. وهم لا يتوهمون أن مثل تلك المساحات المشتركة من