و التي تغمرها ما بين الأموالا خاطر احا
بصعوبة وسط شوارع القرية التي تغمرها مياه المجاري. ورغم حسن نوايا أبناء القرية، إلا أنهم -كما يعلق هويدي - لم يربطوا أبدأ بين الأموال التي تنفق على العمرة وبين تجاهل أوضاع الصرف الصحي في القرية، فلم يجل في خاطر أحد أنه إذا اتحد أبناء القرية وأصلحوا الصرف الصحي في القرية فإن هذا يقربهم إلى الله؛ إذ إن ذلك العمل يخدم حقوق الله عن العمرة» (30) . ثم يذهب هويدي إلى ما هو أبعد من ذلك ليقول إن المهمة المتمثلة في حل مشكلة الصرف الصحي مقدمة حتى على الحج الذي لا يصبح فريضة إلا بتوفير الموارد المالية اللازمة لإتمامه.
ولم يخلط الإسلاميون الجدد أبدا بين ذلك الإطار الأخلاقي الذي يسمح لهم بمثل ذلك التمييز بين القضايا وبين وجود نظرية أو نموذج صارم لاقتصاد إسلامي. ولم يفقدوا أبدا إدراكهم أن ذلك الإطار المعياري - حتى في أكثر صوره تفصيلا- لا يغني عن نظام أو نموذج اقتصادي يعني بالتفاصيل» (31) . وهم يؤمنون بأن السعي لخلق نموذج اقتصادي إسلامي موحد وثابت إنما هو جهد في غير محله؛ نظرا لالتزام الإسلام بالوفاء بحاجات البشر في كل زمان ومكان. فلا توجد مؤسسات أو البات يمكنها أن تناسب الأوضاع بالغة التباين من مكان لآخر والتي صار على المسلمين أن يتولوا في إطارها مسئولياتهم الاقتصادية.
وبالطبع لا يوافق كل المسلمين على تلك الرؤية؛ فمن داخل التيار الإسلامي يبرز الثوريون فاقدو الصبر الذين يصرون على الافتراض المبسط بأن الإسلام لديه نظرية اقتصادية متكاملة ما عليهم إلا تطبيقها بمجرد الوصول للسلطة. وفي أغلب الأحيان يكشف الفحص الدقيق عن أن فكر هؤلاء لا يذهب إلى ما هو أعمق من مجرد اعتبار النصوص الخاصة بتحريم الربا في تعاملات البنوك وإيتاء الزكاة كافية لأن تجعل الاقتصاد إسلامية. وفي بعض الأحيان، فإن تلك المصادر النصية المحدودة يضاف إليها من التاريخ مؤسسات اقتصادية كالوقف لتعميق الانطباع بوجود نظرية اقتصادية إسلامية شاملة. وقد وجد ذلك الفكر الذي تبناه البعض في معسكر الإسلام السياسي دعما ما صار يعرف بنظم الحكم الإسلامية التي عرفت اقتصادياتها بتلك الطريقة نفسها وسط صخب وضجيج. وقد احتج الإسلاميون الجدد على ذلك. صحيح أن القرآن والسنة بضمان نصوصأ بشأن الربا والزكاة، وصحيح أن هناك مؤسسات أنتجتها الخبرة التاريخية للمسلمين مثل الموقف، إلا أن هذين المفهومين القرآنيين يتعلقان - عند الإسلاميين الجدد - بمجالات محدودة