المحرك للنشاط الاقتصادي. فعلى سبيل المثال فإن هناك مصالح وحقوقا جوهرية للبشرية كالعدل لا يمكن إلغاؤها بفعل السوق أو السياسة؛ لأنها في الواقع من حقوق الله. ويرفض القرضاوي صراحة فكرة «الإنسان الاقتصادي» المخول بدافع المصلحة أو الربح ليفعل ما يشاء. «لا، فهو مقيد بالعقيدة والأخلاق» (19) . وبنفس المنطق، يتحتم على النظام الاقتصادي للإنتاج والتوزيع والاستهلاك أن يحترم تلك القيم والمقاصد الإسلامية الأساسية (20) . وعند القرضاوي لا يوجد صراع بين البعد الإلهي والأخلاقي للنظام الاقتصادي الإسلامي وبين طبيعته البشرية؛ ذلك لأن الاثنين يرتكزان على مبدأ واحد هو قيمة الإنسان كخليفة لله في الأرض. والأنشطة الاقتصادية التي تتم بناء على تلك المعايير الأخلاقية من شأنها أن تخدم بالضرورة الحاجات الإنسانية، وتأتي في المقدمة الحاجات الأساسية اللازمة ليحيا الإنسان بشكل كريم. أي أن الإسلام لا يسعى إلى حرمان البشر من المتع الحلال على الأرض بشرط ألا يتم الإفراط في السعي وراءها، ولا مانع عند القرضاوي من الاستمتاع الحلال بالمسكن والملبس ووسائل التنقل. وفي إشارة إلى رفضه للمحرمات الصارمة التي يفرضها الإسلام «الغاضب» يذكر صراحة الحاجة إلى تنمية الشعور بالجمال وتذوق الفنون (21) . وأخيرا يشرح القرضاوي أن الاقتصاد الإسلامي يمكنه أن يحقق تلك الغايات الأخلاقية عبر ترتيبات اقتصادية تتبنى رؤية متوازنة تتجنب التطرف. فالتوازن يعني تجنب المبالغة في حقوق الأفراد - كما تفعل الرأسمالية - أو حقوق المجتمع كما تفعل الاشتراكية. وهو يعني أيضا البعد عن الإفراط في التدين الشخصي حين يأتي على حساب القيام بالمسؤوليات الاجتماعية التي شرعها الإسلام.
وللإطار الأخلاقي الإسلامي أكثر من مجرد معني مجرد عند الإسلاميين الجدد .. وحين يستلهمونه صراحة أو ضمنا فإنه يضفي التماسك على مداخلاتهم العملية بشأن القضايا الاقتصادية. فدون حاجة إلى نموذج إسلامي صارم للاقتصاد، فإنه يمكنهم من فرز القضايا وتحديد أيها تستحق اهتمامأ نشطا. فالمهم عند الإسلاميين الجدد هو تحقيق المقاصد الأخلاقية بأبعادها الإنسانية والإلهية بغض النظر عن شكل المؤسسات أو الإجراءات التي يتم من خلالها تحقيق تلك المقاصد. وفي الوقت ذاته يمكن استخدام ذلك الإطار الشامل والمرن بفاعلية لتقويم سلوك أي نظام اقتصادي سواء كان رأسمالية أو اشتراكية أو خليطا بينهما.