والعدل. وهم مكلفون بما يذهب إلى ما هو أبعد من مجرد العيش والاستمتاع بما هو موجود في هذا العالم؛ إذ عليهم أن يعيشوا وفق المقاصد العليا التي قررها الخالق، وهم مكلفون بتدبير الظروف التي تهيئ القيام بتلك المسؤولية.
ومن ثم يعني الاستخلاف أن الحقوق الأساسية لكل البشر - بغض النظر عن الدين والعرق والجنس - هي في الوقت ذاته واجبات تجاه الخالق. ويقول هويدي إن حماية تلك الحقوق التي هي حقوق الإنسان والله في الوقت ذاته هي «هدف الشريعة» ، وهي تتراوح بين الحقوق المادية والروحية. ومن ثم فإن الشريعة تعني صيانة «الروح والعقل والدين والعرض والمال» ، وانتهاك أي من تلك الحقوق الإنسانية إنما هو انتهاك لحقوق الله واعتداء على الشريعة. ففي الإسلام - إذناحترام حقوق الإنسان واجب ديني (15)
والله لم يخلق الإنسان ويسخر له كافة المخلوقات الأخرى على الأرض دون هدف. فالهدف كما يقول هويدي هو «تمكين الإنسان من التعمير والبناء» . ويشرح هويدي الفكرة الجوهرية قائلا إن العلاقة بين معجزة الخلق وبين عمارة الأرض واضحة للغاية في القرآن «فعمارة الأرض - إذن- أحد مقاصد الشريعة» . «ولأن التقدم ضروري لعمارة الأرض، فإن التراخي في تحقيقه عدوان على حقوق الله، وعجز عن تحقيق أحد مقاصد الشريعة. وكل عدوان على حق الإنسان في العيش بكرامة وعدل وفق طبيعته التي خلقه الله عليها إنما هو انتهاك لحقوق الله (16)
وفي ضوء ذلك الفهم المحدد للاستخلاف الذي يقرره القرآن، تصبح أهمية تجربة البنوك أكثر وضوحا؛ إذ لا يجوز اختزال الاقتصاد الإسلامي في المعاملات البنكية. غير أن اعتبار المال ملك لله والبشر مجرد حراس عليه هو المعنى الكامن وراء فكرة «البنك الاستثماري» ؛ فالناس لا تملك «رأس المال وإنما هم يملكون فقط حق استثماره باعتبار أن هذا الاستثمار أداء لدورهم كخلفاء لله في الأرض» . ولأنه مال الله فإن الأم لها حقوق فيه، مثلما فيه حقوق للفقراء والمستضعفين. والمال بهذا المعنى ينبغي أن يستخدم في أغراض مثمرة وذات بعد إنساني. ومن ثم تمثل البنوك الإسلامية تجسيدا لذلك المعنى المجرد لحقوق الله في شكل ممارسات ملموسة. والأنشطة الاقتصادية - في ضوء ذلك - هي بعد مهم من أبعاد المشروع الحضاري الشامل الذي يهدف إلى نهضة الأمة وفق قيم الإسلام. ويحتل العدل مكانة جوهرية بين تلك القيم كما هو واضح من القرآن. وهو مشروع جامع؛ لأن المفهوم القرآني بشأن