تقتضي بذل المزيد من العناية في فهم مشاكلهم وإدراك أبعادها (13)
وقد صار لزاما في ذلك الوقت من عمر العالم الحديث أن يتم تحليل تلك الأبعاد على مستوى عالمي وليس محليا. وفي جهد واسع يعتمد على فقه الواقع المنفتح على العالم، يحلل الإسلاميون الجدد القوى العالمية التي شكلت المعضلات الداخلية وتطلبت فكرة جديدة. وهم يدركون أن الثورات الصناعية والعلمية السابقة تلتها تطورات ثورية في الإنتاج والانتقال والاتصال خاصة في تكنولوجيا التخزين والنقل واستخدام المعلومات. وقد خلقت كل تلك التغيرات - من وجهة نظرهم- مشکلات جديدة، وأضفت على مشكلات قديمة أبعادة جديدة؛ فالإصلاحيون الإسلاميون عليهم أن يتناولوا ليس فقط حنميات التنمية وإنما -أيضا- المعضلات الاجتماعية مثل الفجوة المتزايدة بين الأغنياء والفقراء، فضلا عن الضرر الذي يلحق بالبيئة والذي صارت له الآن أبعاد عالمية. وما لم تتناول الحركات الإسلامية الإصلاحية تلك الموضوعات وما يرتبط بها من قضايا اقتصادية معاصرة فإنها ستظل منعزلة عن مجتمعاتها التي ستتردد في السير وراءها وأخذ شعاراتها مأخذ الجد (14) . ويعتقد الإسلاميون الجدد أن بإمكان المجتمعات الإسلامية أن تستفيد من معارف الأخرين وخبراتهم في مواجهة تلك التحديات بشرط أن يفعلوا ذلك على نحو يتفق مع نيم الإسلام ومقاصده.
تمكين الإطار الأخلاقي في النشاط الاقتصادي
عند الإسلاميين الجدد تقع أنشطة البشر الاقتصادية من إنتاج وتوزيع واستهلاك بالكامل في دائرة الإسلام؛ فالإسلام يرفض أية قطبية ثنائية بين الإنسان ككائن أخلاقي يلتزم بمقاصد عليا وبين الإنسان ككائن مادي له مطالب مادية واحتياجات يجب تلبيتها. فقد خلق الله الإنسان حاملا الخاصيتين معا وهما جزء ان لا يتجزآن من الطبيعة البشرية التي فطر الله عليها عباده. وتلك هي صفات البشر في كل مكان بغض النظر عن اختلافاتهم الظاهرية. وتجاوز تلك الاختلافات في الإسلام مبني في جوهره على معجزة الخلق نفسها؛ إذ خلق الله الرجال والنساء من نفس واحدة، وجعلهم أخوة وأخوات بغض النظر عن الدين أو العرق أو الجنس، بل إنه جعل الإنسان خليفة له في الأرض مكلفا بعمارتها وفق مشيئته. ويعني مفهوم الاستخلاف أن كل البشر -لا العرب والمسلمين فقط - لهم الحق في الكرامة