الصفحة 147 من 344

إلا أن تلك الروح الكريمة الطموحة لها حدودها في الواقع؛ فالإسلاميون الجدد لم يترددوا في أحداث عين شمس في أن يعلنوا للمجتمع الإسلامي والأمة والعالم إدانتهم للمتشددين المسلحين الغاضبين الذين ارتدوا ثيابا إسلامية لتبرير ذلك. فلا مكان للعنف المتطرف في المجتمع الإسلامي الذي ينشدونه، ولا يمكنهم -أيضاکمفکرين إسلاميين أن يغضوا الطرف عن جهود المتطرفين العلمانيين في تنفيذ رؤى من شأنها هدم ثوابت المجتمع الإسلامي. وبنفس القوة، في نهاية القرن العشرين، تحدث هويدي باسم المدرسة لبدين تهديد جديد برز من داخل الموجة الإسلامية. فقد أدرك الإسلاميون الجدد فورة الخطر الكامن وراء الأحداث الصغيرة التي تكشف عن تدين مستغرق في ذاته يبتعد عن أي اهتمام بالمحيط الاجتماعي. فالسعي نحو الخلاص الشخصي يمثل تهديدا من شأنه إضعاف المجتمع الإسلامي العادل والعالم الأفضل الذي يبشر به. وقد تبوأ هويدي موقع القيادة في شن حملة ضد ذلك التدين الجديد قبل أن يهيمن على الإسلام الوسطي.

ففي أوائل 1999 أثار هويدي عمدة ردود فعل غاضبة بحملته على صفحات الأهرام لإدانة التهديد الكامن فيما أسماه الدراويش (94) . ولابد أن كاتبة صحفية موهوب مثل فهمي هويدي كان يدرك تماما الدلالة التهكمية لذلك التعبير الذي يستخدم في العامية للإشارة إلى أولئك الذين فقدوا عقولهم وصاروا مستوعبين في عالم خيالي صنعوه لأنفسهم بأنفسهم. وقد اختار هويدي بالفعل التعبير السليم لينفذ إلى صور التظاهر بالتقوى المبالغ فيها من جانب المغالين في التدين، والذين تتخفي أنانيتهم تحت عباءة الإسلام. وقد بدأ هويدي انتقاده اللاذع بقوله: «لقد صرت أخشى على العمرة من أولئك المتدينين» ، فقد اختار هويدي موضوع لا يجرؤ آخرون على الاقتراب منه، وسجل رفضه الواضح للانخراط المتزايد في أداء العمرة. ففضلا عن فريضة الحج، يؤدي هؤلاء العمرة مرات لا حصر لها خصوصا في شهر رمضان. وعبر عن انزعاجه من التقارير التي تشير إلى تأجير طائرات لتحمل مئات المصريين إلى مكة، وأشار إلى أن عدد الذين يصلون مكة -خصوصا في شهر رمضان- يقترب بشكل مطرد من عدد أولئك الذين يذهبون إليها في فترة أداء فريضة الحج. ولأن الكثيرين من شتى أنحاء العالم الإسلامي يذهبون بنية البقاء هناك لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر، تساءل هويدي عما إذا كان من الممكن لأي مجتمع إسلامي أن يتقدم خطوة واحدة، في الوقت الذي يتم فيه توجيه الموارد إلى مثل تلك الأمور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت