كيف كان ذلك الإنجاز المذهل ممكن؟ الإجابة هي أنه في تلك المساحات من الحياة الاجتماعية التي تحتاج إلى قواعد تنظيمية كان الفهم الواقعي للأوضاع الاجتماعية واحتياجات الناس هو نقطة الانطلاق. ويقرر الإسلاميون الجدد أن تلك الأوضاع والاحتياجات لابد أن تكون أساس الفقه، فلا مكان لقواعد عامة غير واقعية أو مثالية. فمهمة تحليل الأوضاع الاجتماعية والوفاء باحتياجات البشر ليست عملا فلسفية مجردة وإنما هو منهج عملي يتبناه أولو الأمر لمعالجة شؤون الناس. وتأتي ثقة الإسلاميين الجدد في القدرة على النجاح في ذلك التحدي مما أطلق عليه القرضاوي «شمولية الشريعة ومرونتها (60) . ففي مصطلحات الإسلاميين الجدد، فإن الشمولية لا تعني أن الشريعة تحتوي على هياكل ومفاهيم بعينها صالحة للتعامل مع التفاصيل الدقيقة لعالم متغير ومتطور، وإنما تعني وجود اليات أربع واضحة يسهل فهمها، تقوم اثنتان منها على النص واثنتان منها على الواقع الاجتماعي، ويمكن من خلالها جميعا تحقيق المقاصد العليا للشريعة عبر وسائل مختلفة تستجيب لظروف بعينها. فالفقيه - الذي يكون مؤهلا ويعترف له زملاؤه بأهليته للقيام بذلك الدور - يمكنه الاعتماد على القياس على نصوص أخرى مرتبطة بالمعنى، ويمارس الاختيار بين التفسيرات المختلفة لتلك النصوص بما يمثل أفضل تعامل مع الأوضاع القائمة، ويضع نصب عينه المصلحة العامة للناس، وأخيرا يقبل بالممارسات الموجودة والشائعة طالما أنها لا تتعارض مع أهداف الشريعة (61) . ويقول القرضاوي إن «النظم القضائية المختلفة التي نشأت في عصور الإسلام المختلفة نتجت عن التجارب التاريخية وكان التطور يحدث بناء على تلك الوسائل الأربع التي لم ينص عليها قرآن ولا سنة (62)
وقد طور الإسلاميون الجدد -أيضا- أطروحات براجماتية تتسق مع مرونة الشريعة؛ فالشريعة عندهم يمكن أن تبنى على ما هو قائم بالفعل. ويشيرون إلى أنه في أحيان كثيرة كانت الشريعة مطبقة بالفعل بمعنى أن القوانين القائمة - بغض النظر عن مصدرها - اتسقت مع مقاصد الشريعة وقيمها. ومن ثم يمكن اعتبار تلك القوانين إسلامية. ورأوا أنه من السخف معارضة ذلك بحجة أن القوانين الاجتماعية والأنماط التنظيمية ينبغي أن تكون متميزة حتى تكون إسلامية؛ إذ من شأن تلك النزعة أن تحرم الإسلام من الاستفادة من خبرات الأخرين. فالإسلام - كما يقول كمال أبو المجد - كان دين كل الأنبياء ومن ثم ليس مستغربا أن تكون الترتيبات الاجتماعية المستمدة من حضارات أخرى مناسبة لاحتياجات من يعيشون في المجتمعات