وتميز هذه الرؤية بوضوح بين الشريعة التي هي إلهية، والفقه الذي هو بشري. ولهذه التفرقة أهمية كبرى لا فقط بالنسبة لعملية التطبيق وإنما بالنسبة -أيضا- لتحديد الأسئلة الموضوعية المتعلقة بتعريف ذلك المجتمع والضوابط التي تحكمه. فقضية العلمانية - كما سوف يتضح - تثير المسألة المهمة المتعلقة بتلك الضوابط بشكل أكثر وضوحا.
وينطلق فكر الإسلاميين الجدد بشأن الشريعة من فكرة أساسية مؤداها أنه أينما كانت هناك جماعة من المسلمين كانت الشريعة بالضرورة جزءا من حياتهم. وتأتي نصوص الشريعة من القرآن والسنة. ومن ثم فإن للشريعة بعدة إلهية كما يقول كمال أبو المجد؛ ذلك لأنه لا يمكن للمسلم أن يكون مسلمة إلا إذا اختار أن يلتزم بالشريعة» (55) . والشريعة - حين يتم الالتزام بها تكون طريقة حياة، فهي تتضمن كل النصوص والمبادئ العامة التي أنزلها الله لتحكم حياة الإنسان في 1) علاقته بالله من صلوات وصوم مثلا كما جاء صراحة في القرأن. 2) وفي علاقته بغيره من المسلمين، بما في ذلك المعايير الأخلاقية مثل الصدق والمودة والقواعد المادية التي تحكم العلاقات کالميراث 3) وفي علاقته بغير المسلمين بما تتضمنه من ضمانات تحمي الحقوق وتؤكد على القيمة المتساوية للأفراد كأعضاء في الجماعة.4) وفي علاقته بالمجتمع القائم على مبادئ العدل. 5) وفي علاقته بكل أشكال الحياة في الكون بما يضمن التعامل معها باحترام. إن تلك الأبعاد المتعددة للشريعة هي التي تمكن البشر من القيام بمسئولياتهم كخلفاء لله في الأرض (56) .
ويلفت أبو المجد انتباه المسلمين إلى أن النصوص الا تتناول كل الأمور بالتفصيل وذلك من أجل ضمان المرونة اللازمة للتكيف مع الحاجات والظروف المتغيرة. فقد فصل الله في بعض الأمور ولم يفصل في غيرها. إنه إذن تفويض لنا أن نمارس الاجتهاد، ودعوة لأن نسنعمل عقولنا بل إنه من المنطقي أن يصبح هناك دور أكبر للعقل في تلك المساحات الواسعة التي لم يرد فيها نص» (57) . ويؤكد السجل التاريخي لتطبيق الشريعة أنها قادرة تماما على مواجهة تلك التحدي. وبهذا المعنى فإن الإسلام، کدين لكل زمان مکان، لا يكون - كما يقول أبو المجد - أسطورة ولا معجزة (58) . فالشريعة كما يقول القرضاوي «كانت أساس التشريع والفتوى في كل العالم الإسلامي تقريبا على مدى ثلاثة عشر قرنا بما يعني أنها تعاملت مع بيئات متباينة وأجناس مختلفة وعدد من الحضارات (59)