من تلك النزعة الشمولية لذلك الموقف المطلق والجامد، إذ يشرح أبو المجد أن ذلك الفهم في التعامل مع النص لدى المتطرفين عادة ما يترجم إلى ضرورة وجوب طاعة الأمير وفهمه الخاص للنص (43)
والإسلاميون الجدد يقولون صراحة إن هذا ليس من الإسلام في شئ؛ فرسالة الله إلى البشرية تعتمد على استخدام العقل كما تشير طبيعة النص ذاته. وتولي يوسف القرضاوي شرح السبب الذي يجعل الطبيعة اللغوية للرسالة القرآنية تتطلب تفسيرا يعتمد على العقل لا التطبيق الآلي للنصوص «فقد أراد الله أن تكون بعض أحكامه واضحة وبعضها الآخر مسكوت عنه» والمعنى الضمني لا يمكن استنباطه إلا عن طريق العقل، بل حتى بالنسبة للنصوص الواضحة، أراد الله لبعضها أن تكون صريحة ولبعضها الآخر أن تظل غامضة حتى تمارس العقول الاجتهاد لاستنباط معانيها. وفي فقرات عدة في كتابه «الصحوة الإسلامية» يلخص القرضاوي جوهر موقف الإسلاميين الجدد المناهض لحرفية النص. «فلو أراد الله لكان قد أعطى الدين كله اله الواضحة نفسها والتي لا تحتاج إلى الاجتهاد. عندئذ يصبح من لا يطيع من غير المؤمنين فررا. إلا أن الله لم يرد ذلك حتى تصبح طبيعة الدين متسقة مع
طبيعة اللغة وطبيعة البشر، وذلك للتيسير على المؤمنين (44)
ويوجه القرضاوي حديثه إلى كافة فصائل التيار الإسلامي مؤكدا على ضرورة الاجتهاد بادئة بجوهر العقيدة التي لا يشكك فيها حتى الأكثر تطرفا. فمصدر الإسلام هو القرآن والسنة. والقرآن مجموعة. نصوص والسنة في أغلبها نصوص أيضا. وتلك النصوص «يسري عليها ما يسري على أية نصوص لغوية» فيما يتعلق بالفهم والتفسير؛ «فالنص يستخدم الكلمات وهيكل اللغة» . وب"نسبة للقرضاوي والإسلاميين الجدد فإن بعض الكلمات «قد يكون لها أكثر من معنى ويجوز فهم بعضها الآخر حرفية أو بصورة مجازية أو رمزية» (45) "
إن الاعتراف الصريح لدى الإسلاميين الجدد بأن النص قد يكون له معنى مسكوت عنه إنما يضع مشروعهم التفسيري وقبولهم بوجود أكثر من تفسير في القلب من جهدهم لبناء المجتمع الإسلامي. «فالمسكوت عنه دائما ما يخلق اختلافا» ، كما يقول القرضاوي. ومن خلال رؤية تتناقض مع المطلقات واليقينية التي يتسم بها المتطرفون يقول القرضاوي بوضوح إن الاختلاف كنز لأنه يعني تعدد الاجتهاد من
جانب علماء متعددين مما يثري الفقه» (46) .