وفي كتابه عن القرآن، قال الغزالي إن أحد الأسباب الرئيسية لسوء الفهم
المعاصر لرسالة الإسلام تتمثل في انتزاع الأيات بل أجزاء من الآيات من السور التي
جاءت فيها. فالمتطرفون تحديدا يركزون على الجزئيات فيقدمون قراءات مضللة وأحيانا ضارة. ومن أجل مواجهة ذلك التشويه دعا الغزالي إلى القراءة الموضوعية للقرآن. فمن المهم قراءة السورة كوحدة واحدة ثم فهم معانيها في سياق السور الأخرى أيضا، وهو ما ينتج عنه فهم المعاني في إطار المقاصد العليا والقيم الرئيسة التي جاءت من عند الله إلى الإنسانية.
وقد اتضح منهج الغزالي حين تعامل مع سورة النساء، مقدما تفسيرا جديدا
ومهما يستحيل تجاهله في أي تعامل مستقبلي مع دور المرأة في المجتمع الإسلامي.
فحين يتم تناول السورة كوحدة واحدة لا كمجموعة من الأيات يتضح أنها تتناول العلاقات الاجتماعية الإنسانية وليس قضايا المرأة فقط. ويأتي سوء الفهم للسورة بالأساس حين يتم فصل الايات الخاصة بالمرأة عن ذلك السياق العام للسورة.
ويقول الغزالي: «وقد رأيت أن موضوع السورة عام يتناول المجتمع كله وأحوال الطوائف العديدة التي يتكون منها، فحديث النساء جزء من كل» (36) . أي أن السورة تقدم دور المرأة في السياق الأوسع المتعلق بعالمها الاجتماعي الذي تتحرك فيه كفرد في أسرتها أو كجزء من المجتمع الأوسع. ويقدم الغزالي تلك الصورة القرآنية لكل تلك الأدوار التي تشترك فيها النساء مع الرجال. فالبشرية مدعوة للقيام بمهام كبرى على الأرض، فهل من الممكن أن يحدث ذلك من خلال نصف المواهب الإنسانية فقط؟
ويفصل سليم العوا بشكل فاعل فيما توصل إليه الغزالي بشأن كيفية قراءة القرآن وتفسيره. وبأسلوبه الذي يسهل وصوله للعامة من الناس، قدم العوا مراجعة متأنية لثلاث آيات عادة ما يشير إليها المتطرفون والتقليديون لتمييز الرجل على المرأة وحرمان النساء من حقوقهن المتساوية في المشاركة في الحياة العامة.
أما الآية الأولى التي يذكرها المتطرفون فهي التي تقول ... «وللرجال عليهن درجة» (37) ، ويشير العوا إلى أن تلك الأية يتم قراءتها باعتبارها تعني التفوق عموما للرجل على المرأة، ويقول صراحة إن الآية لا تعني ذلك. ويشرح أن تلك الأية التي يتم ذكرها بمعزل عن غيرها جاءت في سورة البقرة كجزء من معالجة مسألة الطلاق التي انطوت على أحكام تفصيلية لكل من الرجال والنساء، وأن الأية المذكورة مرتبطة بعقد الزواج. ويؤكد العوا على أنه لا يجوز بالنسبة لأية تتناول بشكل محدد