ونساء تحل الحلال وتحرم الحرام» (28) . وقد جاء كتاب الغزالي «قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة» الذي صدر في 1994 ليضيف إلى الأمثلة الكثيرة التي تثبت أن القيود غير المقبولة على المرأة من جانب المتطرفين والتقليديين تعتمد على ما لا يمكن وصفه إلا بأنه جهل متحيز ومقصود بالقرآن. ففي تلك الدراسة تناول الغزالي بشكل مباشر الآية التي تسمح للرجل بضرب المرأة والتي تستخدم عادة التأكيد الزعم القائل بأن القرآن منح للرجل هيمنة على المرأة (29) . وقد أصر الغزالي أولا على أنه ينبغي أن تقرأ الأية كاملة وبعناية. وأشار إلى أن ضرب المرأة وصف كملجأ أخير، وتم السماح به في ظرف محدد وعلى وجه الدقة. أما الظرف فهو انعدام الإخلاص وظهور بوادر النشوز، أي الاستعلاء عن طاعة زوجها مثل السماح الرجل غريب يكرهه بدخول بيت الزوجية ضد رغبة الزوج «مع ما في ذلك من شبهات تزلزل العلاقة الزوجية» . وأشار الغزالي أنه لم يجد في الشريعة إلا تلك الحالتين اللتين يسمح فيهما بضرب المرأة. ثم يذكر قارئه بأن تلك الأية الوحيدة حثت الرجال على التعامل مع ذلك السلوك من جانب زوجاتهن أولا عبر النصح والتحذير، ثم عبر هجرهن في المضاجع. ولا يحق للرجل أن يضرب زوجته إلا حين تفشل تلك المحاولات. ولكن حتى في تلك الحالة الأخيرة، يشير الغزالي إلى أن المفسرين أجمعوا على أن ذلك التأديب البدني يكون بالسواك فلا يكون ضربا مبرحا، ولا يكون على الوجه، ولا يصحبه استخدام عبارات مهينة (30)
وقد سعى المفسرون التقليديون والمتطرفون إلى تجنب كل تلك القيود المتعلقة بتلك الأية المثيرة للجدل. وفي ذلك وجدوا ضالتهم في حديث صحيح السند يقول فيه الرسول: «لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته» . وبشجاعة مذهلة يتحدى الغزالي بشكل مباشر الحكم بصحة الحديث قائلا صراحة أن متنه «مخالف لنصوص الكتاب ومخالف لأحاديث أخرى كثيرة. وعدوان الرجل على المرأة كعدوان المرأة على الرجل مرفوض عقلا ونق؟ وعدلا ولا أدري كيف قبل هذا الكلام ونسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم» . وقد بني الغزالي قراءاته الواثقة للأدلة على القاعدة العامة في القرآن والتي ذكر بها قارئه - ومؤداها أن الإنسان يحاسب على كل صغيرة وكبيرة من أفعاله في قوله تعالى: «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شر پره» . ويقول: «فهل الزوجة وحدها هي التي تخرج عن هذه القاعدة فلا يسأل الرجل فيم ضربها؟ له أن يضربها لأمر ما في نفسه أو لرغبة عارضة في الاعتداء؟ فأين قوله