بدلا من ذلك رؤية للمجتمع تدعو إلى التغيير الاجتماعي السلمي التدريجي.
وقد انتهز الإسلاميون الجدد الفرصة التي خلقها استقرار النظام لإعداد الأدوات اللازمة لبناء المجتمع العادل والجامع الذي ينشدونه. ولكن الأهم هو أعمالهم النظرية التي تتناول استراتيجيات تفسير الثوابت الإسلامية، والتي تمثل الشرط اللازم للوصول لمثل ذلك المجتمع. وقد قرر بيان الإسلاميين الجدد ببساطة وبشكل مباشر أنه لن يكون هناك تجديد للإسلام دون اجتهاد جديد من جانب العلماء المؤهلين لهذه المهمة. ونص البيان على أن هذا التجديد يمثل «ولادة جديدة تحتاج إلى مخاض صعب وطويل، ولكن هذا المخاض هو الضريبة التي ينبغي أن تتحملها كل حركات التجديد وإلا عادت من حيث بدأت ورضيت بالجمود والتقليد» (5) . وقد أثار الإسلاميون الجدد بشكل مستمر السؤال حول كيفية التعامل مع السنة، وكيفية قراءة القرآن وتطبيق الشريعة باعتبارها عناصر ضرورية لبناء المجتمع الإسلامي. وتأتي دراساتهم التي تتناول تلك القضايا المحورية لتضعهم ضمن أهم المفكرين الإسلاميين في القرن العشرين.
وبينما احتفظ مشروعهم الاجتهادي بالثوابت والأصول، فقد استخدم الإسلاميون الجدد أساليب جديدة لإنتاج جسد كامل من الفكر الرصين بشأن أكثر قضايا المجتمع أهمية وجدلية. ويمر عبر جهدهم الجماعي خيطان رئيسيان متضافران، أحدهما نظري، والآخر عملي، وذلك في صورة مواقف ومداخلات. وسيكون التركيز هنا على المشروع الاجتهادي الوسطى للإسلاميين الجدد. وينقسم هذا الفصل إلى أجزاء تتعلق بإسهامهم في التعامل مع السنة والقرآن والشريعة، ويتخلل ذلك من آن لأخر تلخيص لأهم أعمالهم بشأن دور المرأة، وغير المسلمين والعلمانيين. وهي التي لم يكن من الممكن التعامل معها دون ذلك المشروع الاجتهادي.
كيف نتعامل مع السنة؟
يقول الغزالي في أكثر أعماله جلية أنه في الظلام الذي يحيط بالعالم الإسلامي «الخطورة تجي من أنصاف المتعلمين وأنصاف المتدينين» . ففي كتابه «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» يولي الغزالي اهتماما خاصا بالتهديد الذي يمثله التفكير المتطرف على شباب العالم العربي والإسلامي. ويؤكد على أن أعداء الإسلام في أوروبا وأمريكا يستغلون ضحالة أفكار المتطرفين لتبرير الهجوم على