كتب: يجوز أنه أمر القلم أن يكتب، أو على ظاهره كتب سبحانه بدون واسطة أو بكلمة كن ولا محذور في ذلك كله (شرح التوحيد 1/ 260) .
الفوائد:
(1) في سبق الرحمة إشارة إلى أن قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب، وأنها تنالهم من غير استحقاق، وأن الغضب لاينالهم إلا باستحقاق فالرحمة تشمل الشخص جنينًا ورضيعًا وفطيمًا وناشئًا قبل أن يصدر منه شيء من الطاعة ولا يلحقه الغضب إلا بعد أن يصدر عنه من الذنوب ما يستحق معه ذلك.
(2) أن رحمة الله تسبق غضبه فيه دليل على أن الرحمة، والغضب من صفات الفعل ولا مانع من تقدم بعض الأفعال على بعض فمن ذلك: إسكانه سبحانه آدم الجنة ثم إخراجه منها، وعلى ذلك استمرت أحوال الأمم بتقديم الرحمة في خلقهم بالتوسيع عليهم بالرزق وغيره ثم يقع بهم العذاب على كفرهم، أما ما أورد من تعذيب من يعذب من الموحدين، ثم إخراجهم من النار فالرحمة سابقة في حقهم أيضًا ولولا وجودها لخلدوا أبدًا (الفتح 6/ 292) وهذا يدل على فضل رحمته على غضبه من جهة سبقها وغلبتها (مجموع الفتاوى 17/ 89 - 91) .
(3) فيه إثبات اليد لله تعالى وأنه سبحانه كتب بيده على نفسه أن رحمته تغلب غضبه (التوحيد لابن خزيمة 1/ 134) .
(4) فيه إثبات أن ربنا جلَّ وعلا فوق عرشه الذي كتابه أن رحمته غلبت غضبه عنده والحديث صريح في فوقيته تعالى لايعقل أن يكون الكتاب عنده فوق العرش إلا إذا كان هو فوق العرش كذلك. (التوحيد لابن خزيمة 1/ 242 مع تعليق المحقق) .
(5) كتابة الله تعالى؛ لتأكيد الحكم الذي قضاه، وإخبار عباده به حتى يؤمنوا ويعملوا على مقتضاه أو لحكمة أخرى الله أعلم بها ليس خوفًا من النسيان ـ تعالى الله ـ وكتابته سبحانه لم يحمله عليها أحد وإنما وقعت بمحض إرادته تفضلًا منه وجودًا على خلقه كتبه على نفسه كما قال تعالى: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} [الأنعام: 54] .
(6) الرحمة والغضب من صفات الله تعالى، لكن الرحمة أوسع وأشمل فرحمته سبحانه وسعت كل شيء كما قال سبحانه عن حملة العرش ومن حوله من الملائكة في دعوتهم للمؤمنين أنهم يقولون: {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلمًا} [غافر: 7] . وقال تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء} [الأعراف: 156] (شرح التوحيد 1/ 261، 262) .
(7) الحق أن قوله {عنده فوق عرشه} على ظاهره، وكل تأويل عن ظاهره تبديل للمعنى الذي أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا كتاب خاص وضعه عنده فوق عرشه مثبت فيه ما ذكره؛ لزيادة الاهتمام به ولاينافي أن يكون مكتوبًا أيضًا في اللوح المحفوظ وهو كتاب حقيقة كتبه تعالىحقيقة وهو عنده حقيقة فوق عرشه حقيقة، والمقصود أن الله تعالى مستو على عرشه على الحقيقة وعرشه فوق مخلوقاته كلها عالٍ عليها (شرح التوحيد 1/ 396، 397) .
(8) مراد البخاري بإيراده في باب {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا ... } أن الكتاب الذي كتبه قبل خلق الخلق فيه سبق رحمته لعباده المرسلين أي أن كلمته التي سبقت بنصره عباده المرسلين قبل وجودهم وبهذا يتبين أن قوله غير خلقه ونصرته سبحانه لعباده المرسلين من رحمته التي سبقت غضبه (شرح التوحيد 2/ 210، 211) وقوله: قبل أن يخلق الخلق لايعارض قوله: {لما قضى} لأنه يجوز أن يراد بالخلق التقدير والفراغ منه وهو غير الإيجاد، ومعلوم أن خلق الله تعالى لانهاية