فهرس الكتاب

الصفحة 586 من 675

وتحصيل أعلى المصلحتين ولو بتفويت الدنيا منهما إذا لم يتيسر تحصيلهما جميعًا، وهكذا يقال في المفاسد الكثيرة والمصالح الكثيرة: يجب على ولاة الأمور وعلى العلماء إذا لم تتيسر السلامة من المفاسد كلها أن يجتهدوا في السلامة من أخطرها وأكبرها إثمًا. وهكذا المصالح يجب عليهم أن يحققوا ما أمكن منها الكبرى فالكبرى إذا لم يتيسر تحصيلها كلها، ولذلك أمثلة كثيرة وأدلة متنوعة من الكتاب والسنة منها قوله تعالى: {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [سورة الأنعام، الآية:108] ، ومنها الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة رضي الله عنها: «لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لهدمتُ الكعبة وأقمتها على قواعد إبراهيم» [1] .

وبهذا يعلم أن الكلام في الظهور في التلفاز للدعوة إلى الله سبحانه ونشر الحق يختلف بحسب ما أعطى الله الناس من العلم والإدراك والبصيرة والنظر في العواقب، فمن شرح الله صدره واتسع علمه في ذلك، فله أجره وثوابه عند الله سبحانه، ومن اشتبه عليه الأمر ولم ينشرح صدره لذلك فنرجو أن يكون معذورًا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» [2] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: «البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب ... » [3] الحديث.

ولا شك أن ظهور أهل الحق في التلفاز من أعظم الأسباب في نشر دين الله والرد على أهل الباطل لأنه يشاهده غالب الناس من الرجال والنساء والمسلمين والكفار، ويطمئن أهل الحق إذا رأوا صورة مَن يعرفونه بالحق وينتفعون بما يصدر منه، وفي ذلك أيضًا محاربة لأهل الباطل وتضييق المجال عليهم، وقد قال الله -عز وجل-: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69] ، وقال -عز وجل-: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: 125] ، وقال سبحانه: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت:33] .

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» [4] ، وقال عليه الصلاة والسلام: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص من آثامهم شيئًا» [5] ، وقال - صلى الله عليه وسلم - لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - لما بعثه إلى اليهود في خيبر:

(1) أخرجه البخاري 1586، ومسلم 3307.

(2) أخرجه الترمذي (2518) والنسائي (8/ 327) ، وصححه الألباني في الإرواء: (8/ 89) .

(3) أخرجه أحمد (18164) ، (18169) ، و"الدارِمِي"2533 قال الهيثمي: وفيه أيوب ابن عبد الله بن مكرز قال ابن عدي لا يتابع على حديثه ووثقه ابن حبان، مجمع الزوائد (1/ 105) ، وحسنه النووي في رياض الصالحين ص 85، والأذكار 408.

(4) أخرجه مسلم 5007.

(5) أخرجه مسلم (2674) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت