السمع والبصر واللسان تصب في القلب، ترويه بما تغشاه، ويتشبَّع القلب بما يَرِدُ عليه من هذه الجوارح، إن خيرًا أو شرًا، والغِيبة والنميمة والخوض في أعراض المسلمين من أقبح اللغو، وتَتَبُّع أحوال الناس وحديث الإنسان فيما لا يعنيه لغوٌ يفسد القلب، وسهر الليالي فيما لا ينفع لغوٌ مُضِرٌّ.
والسمع والبصر إن أُطْلِقا في تتبع العورات، وإتيان المحرمات، ورؤية المنكرات، ومتابعة الأفلام والمسلسلات - كانت عاقبةُ هذا اللغو فسادَ القلب، وتَعَصِّيه على الطاعة، وتنكُّره للمعروف. وإن الإنسان قد يستقبح السوء في أوَّل الأمر، حتى إذا تكرَّر وقوعه، وألفت نفسه رؤيته - خفَّت حدَّة استقباحه، وسهل على النفس أن تسمع وترى؛ لذا حذَّر الله من المجاهرة بالسوء: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ (148) } [1] فكيف بالفعل، أو عرض السوء على الناس ونشره، والدعوة إلى رؤيته، والمطالبة بتخصيص الأماكن العامة لعرضه؟
إنه يبدأ كتابةً وعرضًا، ويبدأ قولًا وقد يكون فرديًّا، ثم ينتهي انحلالًا اجتماعيًّا وفوضى أخلاقية، تَضِلُّ فيها تقديرات الناس، وتنتشر الشكوك والشائعات، وتنعدم الثقة في داخل المجتمع، حتى بين الأقارب؛ بسبب هذه الأفكار، التي أَشْهَبَتْ بها قلوب الناس، وينتشر الفساد بلا نكير، فأيُّ صلاحٍ ونتاجٍ يُرجى من أمَّةٍ غارقةٍ في الشهوات، غارقةٍ في المُلْهِيَات؟!
ألا يا كلَّ مَنْ يلتبس الملاهي لصرف وقته، أراك تحسب الحياة لهوًا - فهل تحسب الموت لهوًا؟! ويا كل مَنْ يصف الأيام بين الأوهام والأحلام، إن كنتَ تجهل ما تُضِيعُ من الزمن فقف بالقبور، ملتمسًا من سكَّانها برهةً من الوقت؛ لتعلم أنه العزيز الذي لا يهلك، والفائت الذي لا يُستَدْرَك، وكم من قائل: {رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ (100) } [2] فيقال: كلاَّ إن العمر لا يعود، ومَنْ خاف أدلج، ومَنْ أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية؛ ألا إن سلعة الله الجنَّة.
(1) سورة النساء
(2) سورة المؤمنون