ولا خيارَ للعبد في التوبة؛ فقد قال الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) } [1] .
أيها المسلمون:
بقِيَت ليالٍ هي أرجَى ما تكونُ لليلةِ القدر؛ فجِدُّوا وشمِّروا، فإنه عملٌ يسيرٌ بليلٍ قصيرٍ، وعُقباهُ ثوابٌ جزيلٌ وسعادةُ الأبد.
لا تُثبِّطنَّكم الرُّؤَى والمناماتُ في تحديدها، فلو أرادَ الله إطلاعَ خلقه عليها لفعَل، ولكن عليكم بالعمل.
ولا تتواكَلوا فكلُّ ليالي العشر حرِيَّةٌ بها، وأرجَاها ليالي الوِتر، وأرجاهنَّ ليلةُ سبعٍ وعشرين، وفي كل ليلةٍ لله عُتقاءُ من النار.
وقد كان هديُ نبيِّنا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - في العشر الأواخر من رمضان أتمَّ الهديِ وأكملَه؛ إذ هي ليالٍ عظَّم الله أمرَها، وأعلى ذِكرَها وأجزلَ أجرَها."كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل العشر شدَّ مِئزرَه، وأحيَى ليلَه، وأيقظَ أهلَه"؛ رواه البخاري ومسلم.
كان يُصلِّي بالناس حتى يخشَون فواتَ السَّحور، وكان يعتكِفُ العشرَ الأواخِرَ من رمضان، فيُلازِمُ المسجد، ويعمُرُ ليلَه ونهارَه بالعبادة، ويتحرَّى مع الصَّحب الكِرام في هذه الليالي ليلةَ القدر، قال - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"؛ رواه البخاري ومسلم.
وإنما سُمِّيَت ليلةَ القدر لعِظَم قدرها، وعلوِّ شأنها، ولما يُقدِّرُه الله فيها من القضاء، ويقسِمُه من الأرزاق والآجال.
أنزلَ الله فيها القرآن وباركَها، فقال - سبحانه: {حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) } [2] .
(1) سورة الحجرات
(2) سورة الدخان