شهرٌ كريمٌ تتضوَّع بالخير كلُّ ساعاته وثوانِيه، وموسمٌ عظيمٌ باركَ الله كلَّ لحظةٍ فيه، فلم يزَل فيه مضمارًا لكل مُسارِعٍ ومُسابِق، ولم يزَل الميدانُ مُشرَعًا لكل مُستعتِبٍ ولاحِق.
وإنك لا تعلم - يا عبد الله - أيَّ ساعةٍ سوف تُظِلُّك فيها الرحمات، وتَطالُك فيها النَّفَحات! وأيَّ ليلةٍ تُعتَقُ فيها من النار لتلحَقَ بركبِ الأبرار!
فقد باركَ الله الشهرَ كلَّ الشهر، ولم تزَل أبوابُ السماوات مُشرعةً لرفع الدعوات، ولم تزَل الملائكةُ حاملةً أقلامَها لتكتُب الحسنات والأعمال الصالحات، ولن يمَلَّ مُوفَّقٌ من خيرٍ حتى يكون مُنتهاهُ الجنة.
لم يأسَفِ العُبَّادُ والصالحون على الدنيا عند وفاتِهم إلا على فِراقِ أمثال هذه المواسِم، ولم يسُحُّوا الدمعَ عند رحيلِهم إلا على قيام الأسحار، وظمأ الهواجِر، وعلى الجهاد في سبيل الله.
وأنتم بعدُ في المُهلة. فما أنتم فاعِلون؟! ولم تزالُوا في دار العمل. فكيف تصنَعون؟!
وقد سنحَت هذه السوانِحُ لأقوامٍ قبلَكم فسوَّفُوا وأمَّلوا حتى جاءتهم السكرةُ على حين غِرَّة، فأمسَوا خبرًا من أخبار الماضِين وقد كانوا في دُنياهم مُتمكِّنين، ومن أنفسهم واثِقين، وقد قال الله في مثلِ أولئك: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (59) } [1] .
ألا وإن من أعظم آثار شهر رمضان على العبد المُوفَّق: توبتُه إلى الله وأوبتُه لمولاه، وفي الحديث الصحيح: أن نبيَّنا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - قال: «آمين» حينما دعا الملَكُ العظيمُ جبرائيل قائلًا:"مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ، فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، قُلْتُ: آمِينَ".
(1) سورة الزمر