الحمد لله، الحمد لله الذي له الخلق والأمر، والعزةُ والقهر، تبارك ربُّنا وتفضَّل علينا بهذا الشهر، وبلَّغَنا أواخره العشر، فنحمدُ الله تعالى ونشكرُه، ومن كل سوءٍ وتقصيرٍ نستعفِيه ونستغفرُه، ومن كل خيرٍ وفضلٍ نرجُو الله ونستكثِرُه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تقدَّس اسمُه، وعظُم حلمُه، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه خيرُ من صامَ واعتكَف، ولربِّه تقرَّب وازدلَف، صلَّى الله عليه وصلَّى على آله وأصحابِه ومن اقتفَى أثرَهم إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فعليكم بتقوى الله - أيها الناس -؛ فإن لباسَ التقوى خيرُ لباس، وهي المُرتجَى حين الرَّحيل وعند الإياس، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) } [1] .
ثم اعلموا أنكم غدًا أمام الله موقوفون، ويوم العرض عليه مُحاسَبون، وبأعمالكم مجزِيُّون، ومن أخلَدَ إلى الأرض بانَت ندامتُه يوم العرض، واعلَموا أن للقبور وحشةً أُنسُها الأعمالُ الصالحة، وبها ظُلمةٌ يُبدِّدُها تدارُك المواسم السانِحة، فلا تغُرَّنَّكم الحياة الدنيا، ولا تُلهيَنَّكم عن الآخرة، وإن الذين يُسابِقُ في الملذَّات لن يرقَى في سُلَّم الطاعات.
ولا تيأسُوا من كثرة الهالِكين، أو تسلُّط الفاسقين، {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا (105) } [2] .
اللهم أقِل العثرةَ، واعفُ عن الزَّلَّة، وعُد بحلمِك على جهل من لم يرْجُ غيرَك؛ فإنك واسعُ المغفرة، ليس لذي خطيئةٍ من خطيئتِه مهربٌ إلا إليك.
أيها المسلمون:
لئن مضَى أكثرُ شهرنا فلقد بقِيَ منه أرجاه، ولئن تصرَّمَت أيامُه فلقد بقِيَ منها ما تكونُ به النجاة، ولئن ترحَّلَت لياليه فقد ظلَّت ليالٍ يتحقَّقُ فيها للعبد مُنَاه.
(1) سورة آل عمران
(2) سورة المائدة