وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا، وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ"الحديث رواه البخاري ومسلم .."
تأمل .. الرؤيا الصادقة جزءٌ من النبوة، وتكون في القلب الصادق الذي سما وتطهر فاستضاء واستنار بنور الله ففُتِحتْ له سُدفُ الغيب وأعْلمَهُ اللهُ بما شَاء.
أيها المسلمون: من لزم الصدق في صغره كان له في الكبر ألْزَم، ومن اعتصم به في حق نفسه كان في حق الله أعصم، ومن تحرى الصدق هُدي إليه وطابت نفسه وطهرتْ سريرته وأضاء قلبه.
عباد الله: إنه لا يصح التهاون في هذا المبدأ .. فهو أساسٌ في ديننا، وقد كان عنوانًا لقدوتنا وأسوتنا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - والذي كانت حياته أفضل مثالٍ للإنسان الكامل الذي اتخذ من الصدق في القول والأمانة في المعاملة خطًا ثابتًا لا يحيد عنه قيد أنملة، وقد كان ذلك فيه بمثابة السجية والطبع فعُرِف به حتى قبل البعثة ولُقِّب بالصادق الأمين .. واشُتُهِر بهذا وعُرِف به بين الناس، ولما أُمِر بالجهر بالدعوة وتبليغ الرسالة جمع الناس وسألهم عن مدى تصديقهم له إذا أخبرهم بأمر .. فأجابوا بما عرفوا عنه قائلين: ما جرَّبنا عليك إلا صدقًا.
وانظر إلى هذا الموقف من حياةٍ كلها صدقٌ ونبلٌ ووفاء .. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحَمْسَاءِ، قَالَ:"بَايَعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَيْعٍ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، وَبَقِيَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ فَوَعَدْتُهُ أَنْ آتِيَهُ بِهَا فِي مَكَانِهِ، فَنَسِيتُ ثُمَّ ذَكَرْتُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَجِئْتُ فَإِذَا هُوَ فِي مَكَانِهِ، فَقَالَ: يَا فَتًى، لَقَدْ شَقَقْتَ عَلَيَّ أَنَا هَاهُنَا مُنْذُ ثَلَاثٍ أَنْتَظِرُكَ"رواه أبو داود ..
ثلاثة أيام وهو يأتي في نفس الموعد إلى المكان المتفق عليه وفاءً وصدقًا.
واستمر هذا المبدأ الراسخ معه منذ طفولته حتى توفي - صلى الله عليه وسلم - لم يكذب كذبةً واحدة، بل كان الكذب أبغض خلقٍ إليه .. قالت عَائِشَةُ:"مَا كَانَ خُلُقٌ"