وجاءت تسلّيهم-رضي الله عنهم- بما فعلوا بكفار قريش يوم بدر من القتل والقروح حتى أصاب مشركي قريش من المأساة والحزن شيءٌ كثير، وبينت لهم سنة كونية من سنن الصراع بين الحق والباطل ألا وهي: سنة التداول من نصر وهزيمة، فلو كان المؤمنون ينتصرون دائمًا لَدخلَ فيهم من ليس منهم.
وتلك الهزيمة التي ذاقوها بسبب معصية الرسول كان من حِكمها: تمييز المؤمن الصادق من غيره، وإكرام بعض المؤمنين بالشهادة، وتصفية صف المؤمنين من المنافقين المندسين بينهم.
فقال تعالى: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران:140 - 141] .
وقال: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ} {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [آل عمران:165 - 167] . وقال: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران:179] .
ثم بين سبحانه وتعالى أن دخول الجنة لن يكون إلا بعد الابتلاء بالمكاره والشدائد، وظهور المجاهدين الصادقين في سبيله، والصابرين في لقاء أعدائه. فقال: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران:142] .
فما أعظم هذه الآيات في إذهاب سحائب الأحزان من آفاق أهل الإيمان!.
عباد الله، إن القائد المؤمن العظيم له أثر كبير في ثبات المؤمنين، وبث روح القوة في نفوسهم، فإذا قتل هذا القائد أو مات أحدث انصداعًا في جدار القوة المؤمنة، وصار موته أو قتله جرحًا غائرًا في صدور المؤمنين، فحدث بذلك الحزن الكبير.
ففي غزوة أحد وفي أوج اضطراب الصف المسلم، وإمعانًا من المشركين في خلخلة ما تبقى من صفوف المسلمين عن طريق الحرب الإعلامية؛ أشاع المشركون خبرًا يقول: إن محمدًا قد قُتل!، كذبًا منهم وزورًا.