فأثر ذلك على بعض المسلمين حتى قعد عن مواصلة القتال، حتى جاء أنس بن النضر رضي الله عنه فقال:"ما يجلسكم؟! قالوا: قُتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فماذا تصنعون بالحياة بعده؟! قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل" [1] .
فجاءت الآيات الكريمة تعلِّق على هذا الحدث لتُذهِب عن المسلمين غياية الحزن بموت القائد العظيم أو قتله لو حصل، مبيِّنةً أن على أتباع الحق أن لا يفتروا عن مواصلة الطريق بسبب قتل قائدهم أو موته، بل عليهم استلام الراية والمضي على دربه حتى الوصول إلى الهدف الذي كان ينشده.
ذاكرةً لهم-رضي الله عنهم- أن رسول الله محمدًا عليه الصلاة والسلام كغيره من الرسل عليه إبلاغ رسالة ربه، فإن مات بانقضاء أجله أو قتل-كما أُشيع- فإن ذلك لا يدعو إلى الرجوع عن طريقه، وكل إنسان لن يموت إلا بإذن الله تعالى.
فلا حزن إذًا يثني عن الهدف المنشود للمؤمنين ولو مات القائد؛ لأن كل إنسان سيموت
من لم يمتْ بالسيفِ ماتَ بغيرِه ... تعدّدتِ الأسبابُ والموتُ واحدُ
وأن هذا الطريق هو طريق الأنبياء قبل محمد على الجميع الصلاة والسلام، الذين قاتل معهم جماعات من الصالحين والعلماء من أتباعهم فما ضعفوا عن قتال عدوهم بسبب القتل والجراح، ولا خضعوا لهم، بل ثبتوا واستمروا.
قال تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} {فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:144 - 148] .
أيها الأحبة، إن فراق الإنسان لأحبابه من أب أو ابن أو أخ أو قريب أو صديق؛ شيء يحزن النفس، أولئك الأصفياء الذين قاسمهم السرور والأُنس في حياتهم، فجاء الموت فأنهى تلك الأوقات السعيدة التي قضيت معهم، فأعقب الحزنَ بعد تلك الأيام السارَّة، فكيف إذا كان الفراق لهم قتلًا من قبل أعداء الإسلام والمسلمين؟
(1) الروض الأنف (3/ 267) .