بتقلبات الدنيا، وعلمه بأن ما جرى هو بقدر الله لا بقدرة أحد، وأن قضاء الله لعبده المؤمن خير كله لا شر فيه مطلقًا. فكم من عطية خرجت من رحم بلية فكانت خيرًا للمؤمن من بقائه فيما كان يظنه نعمة، وصرفه عنه نقمة، قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [البقرة:216] .
أيها الإخوة الفضلاء، قد يصيب المسلمَ الحزنُ عندما يجد الكافرين يحاربون المسلمين بعدد وعُدّة أكثر وأقوى مما لدى المسلمين، لكن ذلك الحزن يتبدد حينما يوقن بأن النصر على أولئك الأعداء لا يكون بالعدد والعدة - وإن كان ذلك مطلوبًا- لكنه ليس السبب الوحيد للنصر، وإنما السبب الحقيقي هو: قوة الإيمان والتقوى ومصابرة العدو، وبذلك تنزل معونة الله تعالى، فمتى تم هذا السبب انتصر جند الرحمن على جند الشيطان؛ كما انتصر صحابة رسول الله المؤمنون المتقون الصابرون يوم الفرقان يوم التقى الجمعان عند مياه بدر.
قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ} {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران:123 - 126] .
أيها المسلمون، إذا انتصر أهل الباطل على أهل الحق وألحقوا بذوي الحق الهزيمة والخسارة؛ فإن ذلك يحزنهم، بل ويشكك بعض الضعفاء منهم في سلامة المنهج، وصحة الطريق.
ولو فكر أولئك الحُزنَاء في الأسباب التي آلت إلى تلك النتائج المؤلمة، وفي العواقب الحميدة التي نتجت وستنتج عن تلك المصائب الموجعة؛ لهان عليهم الخطب، واستمروا على الطريق سائرين، وأعادوا ترتيب الأوراق المبعثرة لمرحلة جديدة من مراحل الكفاح والنجاح، فربما صحت الأجسام بالعلل.
ففي غزوة أحد لما أصاب الصحابةَ الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم ما أصابهم من القتل والجراح والأحزان في الشوط الثاني من المعركة؛ نزلت الآيات القرآنية في سورة آل عمران بعد ذلك تعالج الموقف، وتضمِّد الجراح، وتأسو الأحزان، وتبين أسباب النكبة، وتسلِّي المؤمنين بما لذلك المصاب من الفوائد والمصالح.
فقد جاءت الآيات الكريمة تنهى الفئة المؤمنة عن الضعف عن قتال عدوهم، وتنهاهم عن الحزن لما أصابهم، وتكشف بجلاء أن الغلبة والعاقبة لهم ما داموا ثابتين على الإيمان، فقال: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:139] .