فهرس الكتاب

الصفحة 212 من 309

فموسى عليه السلام سقى للبنتين ابتغاء وجه الله تعالى فأثمر ذلك العمل الحسن في أنفس أهل هذا البيت الصالح الشكر عليه، فكان الشكر والمكافأة: الضيافة الكريمة، والأمن الوارف، والزوجة الصالحة، والعيش الحسن.

عباد الله، ومن عبر هذه القصة في شخصية موسى عليه السلام: بيان مروءة موسى، وعزة نفسه، وكمال رجولته حينما رأى لؤم أولئك الرعاة على المورد في عدم تقديم المرأتين في السقي، فقام هو بسقي غنمهما دون الرعاة.

واليوم قد يجد الإنسان بعض النساء في بعض الأمكنة لديهن معاملات أو حاجات لكنهن يعانين زحام الرجال، فمن المروءة والعمل الصالح: مساعدتهن وتقديمهن في مثل هذه الأحوال.

ومن العبر والدروس في شخصية موسى عليه السلام: ظهور عفته ونزاهته؛ فإنه سألهما عن سبب ترك السقي، ولم يتوسع بعد ذلك في كثرة الكلام معهما؛ لعدم الحاجة لذلك. ولا مانع في الشرع من كلام الرجل مع المرأة والمرأة مع الرجل إذا كان ذلك لحاجة مشروعة من غير خضوع في القول وتحسين للخطاب؛ طلبًا للإعجاب وميل القلوب. ثم إن موسى عليه السلام عندما جاءته إحدى البنتين تطلب قدومه على أبيها قال لها:"كوني من ورائي، فإذا اختلفتْ علي الطريق فاحذفي لي بحصاة أعلم بها الطريق لأهتدي إليه". ففي هذا عبرة لكل مسلم أن يكون محافظًا على عورات المسلمين وحرماتهم، ساترًا لها، بعيدًا عن تتبعها وإفسادها، وإن غاب عنه الرقيب، وسُتِر عن العيون.

أيها الأحبة الكرام، ومن الدروس المفيدة من شخصية موسى في هذه القصة: ظهور قوته ونفع الناس بها، والقوة النافعة من الصفات المحمودة في الرجال، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. والإسلام يأمر المسلمين أن يكونوا أقوياء في كل مجال تُحمد فيه القوة: أن يكونوا أقوياء إيمانيًا وبدنيًا، وعلميًا وماديًا وغير ذلك. وقد تحدثت إحدى البنتين عن قوة موسى حينما سألها أبوها-لما أشارت إلى استئجاره لرعي الأغنام- فقال لها أبوها:"وما علمك بقوته وأمانته؟ قالت: إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها إلا عشرة رجال، وإني لما جئت معه تقدمت عليه، فقال: كوني من ورائي ...".

ومن العبر كذلك: البعد عن سؤال الناس، واللجوءُ إلى الله والافتقار بين يديه وحده. فموسى في ذلك الوقت كان يعاني مشقة السفر، وألم الجوع، ومع ذلك لم يمد يده ولا لسانه إلى الناس للاستعطاء والاستطعام، بل إنه ساعد البنتين ولم يطلب منهما طعامًا جزاء سقيه لهما. وإنما لجأ إلى الله تعالى وعرض عليه حاله فقال: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص:24] ، أي: محتاج إلى طعام؛ لشدة الجوع، ومن استغنى بالله أغناه الله، ومن عرض حوائجه على الله وحده ووثق به وأيقن بفرجه كفاه الله اللجوء إلى الخلق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت