فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 309

معشر المسلمين، ومن العبر أيضًا: الحرص على العمل الذي يكسب منه المسلم ما يعينه على الزواج وتكوين الأسرة الصالحة، فموسى عمِلَ عشرَ سنوات متصلة من أجل عفة فرجه، وهذه المدة وإن كانت طويلة لكنها حينما كانت من أجل العفة وتحصين الفرج فهي شيء يسير، والحاجة إلى النكاح قد تكون كالحاجة إلى الطعام والشراب. وكذلك من عموم هذا الدرس البليغ: الحرص على السعي في طلب الرزق في الأعمال الدنيوية المباحة؛ فموسى وغيره من الأنبياء قد عملوا وسعوا في مناكب الأرض.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أكل أحد طعامًا خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده) [1] .

ثم إن لله تعالى حكمة في تقدير هذه المدة، لعل منها: أن ينقطع البحث الفرعوني، وأن يتطرق إلى خبر موسى التناسي، وتخبو عنه نار الحقد القبطي.

ومن العبر كذلك: الحرص على إتقان العمل، والوفاء بالعهود والشروط وعقود الأعمال؛ فإن موسى عليه السلام قد اتفق مع صاحب مدين على أن يكون راعيًا لأغنامه؛ مهرًا لابنته، فأدى موسى هذا العمل على تمامه، بل زاد سنتين على الثمان تفضلًا واختيارًا لأكمل الأمرين. ففي هذا عبرة لكل عامل وموظف في أن يكون متقنًا لعمله، قائمًا بحق عمله من غير خيانة ولا خداع.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه) [2] .

أيها المسلمون، ومن شخصيات هذه القصة: شخصية بنتي شيخ مدين. إن هاتين البنتين الكريمتين قد ظهر عليهما أريج الأخلاق الحسنة، وعبير الأعمال الكريمة، لتكشف ما كان عليهما من سبوغ جلباب الفضائل، وسمات النساء الكوامل، فمن العبر من شخصيتهما: ما كان عليهما من الحياء السابغ الذي عبّر عنه: بُعدُهما عن مزاحمة الرجال في المورد، وتأخرهما حتى ينصرفوا، فيخلو المكان لهما من غير احتكاك بالرعاة. وهذه سمة كريمة ما أحوجَ بعض نساء اليوم إليها، إذ يشاهد المشاهد في عصرنا جرأة بعض النساء في أماكن الزحام وهن يُصدِّعن صفوف الرجال كتصديع الشجعان الصفوف في القتال! حتى صار بعض الرجال يخاف على نفسه منهن أكثر من خوفهن على أنفسهن!.

ومن مظاهر الحياء لدى البنتين: أن إحداهما لما جاءت تدعو موسى للمكافأة جاءته والحياء يحيط بها من كل جانب {تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} ، قال عمر رضي الله عنه-عن هذه البنت-:"إنها ليست بسلفع من النساء-جريئة- خرّاجة"

(1) رواه البخاري.

(2) رواه البيهقي، وهو حسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت