أبيهما مبكرتين على خلاف العادة سألهما أبوهما عن ذلك فأخبرتاه بما جرى، فأراد ذلك الشيخ الصالح أن يكافئ موسى على جميله الذي أسداه لابنتيه، فأرسل إحدى بنتيه إلى موسى تستقدمه للإكرام فجاءته تمشي على حياء جم، وذهبت به إلى أبيها فلما وصل موسى إليه وجد الإكرام والأمان، فطلبت إحدى البنتين من أبيها أن يستأجره لرعي الأغنام لأمانته وقوته، فاختار والدها ما هو أكمل فعرض عليه أن يزوجه إحدى ابنتيه، على أن يكون المهر أن يرعى الغنم مدة ثماني سنين، وإن أراد الزيادة على ذلك سنتين فضلًا منه فعل، فوافق موسى على هذا العرض الكريم، وأقام مدة عشر سنين ثم رجع إلى مصر.
أيها المسلمون، إن من يتأمل في شخصيات هذه القصة القرآنية العظيمة وأعمال أهلها سيجد فيها عبرًا وعظات نافعة يجدر بنا أن نقف عندها لنستقي من معينها ونتزود من فوائدها.
فمن العظات والعبر في أعمال موسى عليه السلام وأخلاقه: مشروعية الهجرة في سبيل الله من الأرض التي يخاف فيها المسلم على دينه ونفسه وعرضه، وهي في ذلك قد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة، حسب الحال. قال تعالى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء:100] .
وقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها) [1] . وفي هجرة رسول الله وأصحابه قدوة حسنة.
ومن العبر كذلك: أن على المسلم أن يبادر إلى صنع المعروف للناس، فيعين المحتاجين، ويفرج كربات المكروبين، ويفعل الخير ابتغاء وجه الله رب العالمين.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة: فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى) [2] .
فكم لهذا الفعل الحسن من أثر نفسي وواقعي بين الناس، وزرعُ مثل هذا الخير في النفوس الكريمة خاصة ينبت سريعًا بإذن ربه فيكافَأ ذوو المعروف بالمعروف والجزاء من جنس العمل.
(1) رواه أحمد وأبو داود، وهو صحيح.
(2) رواه مسلم.