فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 309

فلما ولدت أم موسى موسى خافت عليه الذبح، غير أن الله تعالى قذف في قلبها الاطمئنان لتلقيه في اليمِّ ليصل إلى فرعون فتقول زوجته: {قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [القصص:9] .

فبحث له فرعون عن المرضعات، فكانت مرضعته أمَّه، فأعاده الله إليها لترضعه بالأجرة، وتنال عز السلطان. {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [القصص:12 - 13] .

عباد الله، وبعد ذلك شبّ موسى في بيت فرعون، وفي يوم من الأيام رأى رجلًا من قومه بني إسرائيل يقاتل رجلًا من القبط قوم فرعون، فانتصر موسى للإسرائيلي فدفع القبطي ومن قوة الدفع مات القبطي، من غير قصد لقتله.

فانتشر الخبر في المدينة فبدأت المؤامرة تحاك لقتل موسى، فنصحه رجل بالخروج من أرض مصر؛ حرصًا على سلامته من بطش فرعون وملئه، فخرج إلى مدين، فكانت له هذه القصة الشيقة التي سنعيش معها في هذه الكلمة بعون الله تعالى.

قال تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} {قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [القصص:20 - 28] .

أيها الأحبة الأفاضل، خرج موسى عليه السلام من مصر متجهًا إلى مدين جهة الشام، فوصل إلى مورد أهل مدين فوجد جمعًا كبيرًا من الناس يسقون ماشيتهم، ونظر ناحية فرأى امرأتين معهما غنم لهما تنتظران انصراف الرجال لتسقيا غنهما من غير مزاحمة للرجال. فدعت الرحمةُ موسى عليه السلام لسؤالهما عن سبب ابتعادهما عن السقي فأخبرتاه بأنهما تنتظران فراغ المورد من الرجال، وليس لهما رجل يسقي لهما إلا أب لا يقوى على ذلك لشيخوخته، فسقى لهما موسى الغنم، ثم لجأ إلى الظل بعد إعياء السفر وجوعه فدعا الله تعالى أن يسخر له ما يذهب جوعه. وحينما عادت البنتان إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت