فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 309

عباد الله، إذا وصل المسلم إلى مرض الموت، أو إلى حالٍ يظن فيها الموت فعليه أن يحسن الظن بالله، ويكون بين الخوف والرجاء، يخاف الله من ذنوبه، ويرجو رحمة ربه. دخل النبي صلى الله عليه وسلم على شاب وهو في الموت فقال: (كيف تجدك) ؟ قال: أرجو الله -يا رسول الله- وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف) [1] .

وعليه أن يكثر من ذكر الله تعالى، وخاصة كلمة التوحيد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله عند الموت دخل الجنة يومًا من الدهر، وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه) [2] .

هذا ما على المسلم في آخر لحظاته من الدنيا. فما أحسن أن يلقى المسلم ربه خفيفًا من الأوزار ثقيلًا بالطاعات، وما أجمل أن يفارق الناس وقد أعطى كل ذي حق حقه، فأراح نفسه، وأراح أقاربه وشركاءه، ولم يحمل معه من مظالم الناس شيئًا في كفنه إلى قبره.

أيها المسلمون، وأما الأقارب والحاضرون ساعةَ الاحتضار فعليهم أمور، منها: أولًا: لزوم الهدوء والسكينة، وعدم كثرة اللغط والاختلاف ورفع الأصوات؛ لأن قريبهم المحتضر يعاني سكرات الموت فلا ينبغي أن يضاف إليه عناء آخر.

وعليهم كذلك: أن يتكلموا بالخير في تلك الساعة، ويدعوا له بالرحمة والغفران. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا حضرتم المريض أو الميت، فقولوا خيرا؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون) [3] .

وعليهم أيضًا: الصبر والاحتساب والاسترجاع والرضا بقضاء الله وقدره، قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} {أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة:155 - 157] .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى لا يرضى لعبده المؤمن إذا ذهب بصفيه من أهل الأرض فصبر واحتسب بثواب دون الجنة) [4] .

وعليهم كذلك: الابتعاد عن الصياح والنواح، وخمش الوجوه، وتقطيع الثياب، وعن كل فعل ينبئ عن تسخط قضاء الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية) [5] .

أما البكاء بدمع العين من غير صراخ فلا بأس به؛ فعن أنس رضى الله عنه قال: (دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت

(1) رواه ابن ماجه، وهو حسن.

(2) رواه ابن حبان، وهو صحيح.

(3) رواه مسلم.

(4) رواه النسائي، وهو حسن.

(5) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت