فالاستفهام في (أم) في هذه الآيات للإتكار، وهو المعنى المراد فلا يصح جعلها بمعنى (بل) لأنَّ المراد إنكار ونفي ما جاء بعدها وليس إثباته وكذلك لا يصح جعلها بمعنى (بل) في قوله تعالى: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) {البقرة: 133} وقوله تعالى: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) {الأنعام: 144} لأنَّ المراد عدم حصول هذه الشهادة وليس إثباتها
ومن ذلك قوله تعالى: (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ) {الأعراف: 195} و (أم) في هذه المواضع منقطعة، والضمير (هم) عائد إلى الأصنام التي كانت تُعبَد من دون، والاستفهام في (أم) للإنكار، أي: تنفي أن يكون لهذه الأصنام أرجل تمشي بها أو أيد تبطش بها أو أعين تبصر بها أو آذان تسمع بها، وجعل (أم) بمعنى (بل) يثبت لها ذلك كله وهو خلاف الواقع والمعنى المراد.
ومن ذلك قوله تعالى: (أَمْ لِلأنسَانِ مَا تَمَنَّى) {النجم: 24} فالاستفهام في (أم) للإنكار، والمعنى ليس للإنسان يعني الكافر ما تمنى من شفاعة الأصنام، وقيل هو تمني بعضهم أن يكون هو النبي [1] فهذا هو المعنى المراد، وهو نفي أن يحقق الكافر لنفسه مثل هذا التمني وجعل (أم) بمعنى (بل) يثبت لهم ذلك، فيكون خلاف المعنى المراد.
فما تقدم ذكره يدل بما لا يدع مجالًا للشك بأنَّ (أم) لا يصح جعلها بمعنى (بل) حتى لو صح في مواضع جعل (أم) بمعنى (بل) فإنَّ هناك فرقًا أساسيًّا بين (أم) و (بل) غير الذي تقدم ذكره نوه به السيرافي، فقد مرَّ قوله: (( ونحو ذلك:(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) بمعنى: أيقولون افتراه على وجه الإنكار، ولو قيل: بل يقولون، صار ذلك من قولهم على وجهة الإخبار منهم بحسب، وإذا كان على جهة: أيقولون افتراه؟ فهو على جهة التثبيت عليهم بالتقرير لهم بذلك، ولا يجعله موجبًا لهم بالإخبار عنهم، فهذا الفصل بين (أم) و (بل ) )) [2]
(1) مدارك التنزيل، تفسير النسفي ص 1180.
(2) شرح كتاب سيبويه 3/ 416 - 417.