الصفحة 83 من 298

جعل (أم) بمعنى (بل) : جعل كثير من النحاة (أم) التي سموها المنقطعة بمعنى (بل) لأنَّ الاستدراك والاستئناف يعني الإضراب، وذهبوا إلى أنَّ الفارق الدلالي الأساسي بين (أم) المتصلة و (أم) المنقطعة أنَّه إذا قُدِّرتْ بأنَّها عاطفة فهي متصلة، وإذا قدِّرت بـ (بل) فهي منقطعة، قال الفراء: (( وربَّما جعلت العرب(أم) إذا سبقها استفهام لا تصلح (أيُّ) فيه على جهة (بل) فيقولون: هل لك قبلنا حق أم أنت رجل معروف بالظلم، يريدون: بل أنت رجل معروف بالظلم )) [1] وقال أبو حيان: (( ذهب الكسائي وهشام إلى أنَّها بمنزلة(بل) وما بعدها مثل ما قبلها، فإذا قلت: قام زيد أم عمرو، فالمعنى: بل قام )) [2] وذكر ابن هشام أنَّ هذا هو مذهب الكوفيين [3]

كيف يصح ذلك وقد صرحوا بأنَّ (( ما يقع بعد(بل) يقين، وما يقع بعد (أم) مظنون ومشكوك فيه )) [4] كيف يصح أن نجعل الحرف بمعنى ضدِّه؛ قال السيرافي: (( والدليل على أنَّها ليست بمنزلة(بل) مجردة قوله عز وجل: (( وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الأنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ {15} أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ) {الزخرف: 15 - 16} لا يجوز أن يكون المعنى: بل اتخذ مما يخلق بنات، تعالى الله عن ذلك، وتقديره في اللفظ: أأتخذ بالألف للاستفهام والمعنى: الإنكار 000 ونحو ذلك: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) {يونس: 38} {هود: 13، 35} {السجدة: 3} {الأحقاف: 8} بمعنى: أيقولون افتراه على وجه الإنكار، ولو قيل: بل يقولون، صار ذلك من قولهم على وجهة الإخبار منهم بحسب، وإذا كان على جهة: أيقولون افتراه؟ فهوعلى جهة التثبيت عليهم بالتقرير لهم بذلك، ولا يجعله موجبًا لهم بالإخبار عنهم، فهذا الفصل بين (أم) و (بل ) )) [5]

(1) معاني القرآن 1/ 58.

(2) ارتشاف الضَّرب من لسان العرب 2/ 654 وهشام هو هشام بن معاوية الضرير، أخذ عن الكسائي، وكان مشهورًا بصحبته له، وله مقالة في النحو تُعزى إليه. ينظر: نزهة الألباء ص 129 - 130 وبغية الوعاة للسيوطي 2/ 275.

(3) مغني اللبيب 1/ 45

(4) المقتضب 2/ 235 وينظر: شرح المفصل لابن يعيش 5/ 18 والبرهان ص 799.

(5) شرح كتاب سيبويه 3/ 416 - 417.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت