وقال الرضي: (( وأمَّا في المنقطعة 000 فهي إذن بمعنى(بل) التي تدل على أنَّ الأول وقع غلطًا في نحو قولهم: إنَّها لإبل أم شاء )) [1]
هذا ما أجمع عليه النحاة، وهو أنَّ (أم) المنقطعة كما سموها أحدثها وصنعها الوهم والشك والغلط، الذي جاء بعدها الاستدراك والرجوع عنها، أصحيح ما قالوه؟! لأنَّ هذا الوهم والشك والغلط، هو مما يعلم به المتكلم، أمَّا السامع والقارئ فكيف يعلم أنَّ هذا هو الذي حصل أو لم يحصل؛ ليعلم فيما إذا كانت (أم) بمعنى (بل) والهمزة أو لا؟!
كيف يتسنى للسامع أو القارئ أن يدرك ما قصده المتكلم؟! كما أنَّ هذه الحالات من الوهم والغلط التي وقعت في مثل قول العرب: إنَّها لإبل أم شاء، لا يكون إلاَّ مشافهة، سرعان ما يتداركه القائل وقبل أن يعلم به السامع، فكيف صح تسجيل هذا الغلط وتدوينه؟! وكيف يصح أن نجعل هذا الغلط كلامًا ونحتج به؟! قال ابن الحاجب: (( وأمَّا(بل) فللإضراب مطلقًا موجبًا كان الأول أو منفيًّا، فإذا قلت: جاءني زيدٌ بل عمروٌ، فقد أضربتَ عن نسبة المجيء إلى زيد وأثبته لعمرو، فهو إذن من باب الغلط فلا يقع مثله في القرآن ولا في كلام فصحيح )) [2]
وهذا ما صرَّح به المالقي وهو يتكلم على (بل) فقد قال: (( اعلم أنَّ معنى(بل) في كلام العرب الإضراب عن الأول، إمَّا تركًا له وأخذًا في غيره لمعنى يظهر له، وإمَّا لأنَّه بَداء، نحو قولك: ضربتَ زيدًا بل عمرًا، وإمَّا لغلطه بذكر لفظه، وأنتَ تريد غيره نحو: رأيتَ رجلًا بل حمارًا، وهذا لا يقع في القرآن ولا في فصيح كلام في حال تبليغ، وإمَّا لنسيان، وهو أيضًا لا يصح في القرآن، ولا في كلام مبلَّغ عن الله، والأمثلة في كليهما واحدة، وإنَّما يقع الفرق بين الموضعين من جهة المعنى، وهو أنَّ النسيان وضعُ شيء على غيره من غير علم به ولا خطور بالبال، والغلط وضعُ شيء على غيره بمضيِّ الوهم إليه ثم يظهر المقصود، وأمَّا البَداء فهو وضعُ شيء على معنى بالقصد، ثم يتبيَّن أنَّ الأولى غير ذلك )) [3]
(1) شرح كافية ابن الحاجب 4/ 433
(2) الإيضاح في شرح المفصل ص 548.
(3) رصف المباني ص 230.