الصفحة 78 من 298

وقال سيبويه في باب (أم) المنقطعة: (( ومن ذلك أيضًا: أعندك زيد أم لا؟ ) ) [1] لِمَ جعل سيبويه (أم) هنا منقطعة ولم يجعلها متصلة؟ أجاب عن ذلك في الصفحة نفسها بقوله: (( كأنَّه حيث قال: أعندك زيد؟ كان يظن أنَّه عنده، ثمَّ أدركه مثل ذلك الظن في أنَّه ليس عنده، فقال: أم لا ) ) [2] وقال المبرد في نحو هذا المثال (( و(أم) المنقطعة تقع بعد الاستفهام كموقعها بعد الخبر، ومن ذلك قولك: أزيد في الدار أم لا؟ ليس معنى هذا (أيُّهما ) )) ولماذا لا تكون بهذا التقدير أجاب عن ذلك بقوله: (( ليس معنى هذا(أيُّهما) ولكنك استفهمتَ على أنَّك ظننتَ أنَّه في الدار، ثمَّ أدركك الشك في أنَّه ليس فيها، فأضربتَ عن السؤال عن كونه فيها وسألت عن إصغارها منه )) [3]

والحقيقة أنَّ (أم) في هذا التركيب هي ليست منقطعة كما زعم سيبويه والمبرد؛ لأنَّ (لا) عبارة عن جملة منفية تقابل الجملة المثبتة المذكورة، والتقدير: أزيد في الدار أم ليس زيد فيها؟ فهي (أم) المتصلة بعينها، وقد أريد منها التعيين، ليكون الجواب: نعم، زيد في الدار، أو ليكون الجواب: لا، ليس زيد في الدار؟ بل هي مثل (أم) المتصلة في نحو قوله تعالى: (سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) {المنافقون: 6} وهو بمعنى: أستغفرت لهم أم لا؟

وما قاله سيبويه والمبرد عن (أم) المنقطعة بأنَّها تجيء بعد وهم يستدركه المتكلم وهمٌ واختلاق لا وجود له في واقع اللغة، وأنا أريد في هذا المقام أن أجعل القارئ يلمس هذه الحقيقة بنفسه؛ لأنَّ جعل (أم) منقطعة بهذا المعنى في المثال الذي ذكره سيبويه: أعندك زيد أم لا؟ والذي ذكره المبرد: أزيد في الدار أم لا؟ ونحوهما تُعدُّ من الأساليب الشائعة جدًّا في كلام الناس قديمًا وحديثًا حتى إنَّه لا يخلو أحدنا من أن يقول كل يوم نحو ما مثل سيبويه والمبرد كقولك: أسافر فلان أم لا؟ أرجع فلان أم لا؟ أفلان في كذا أم لا؟ أنجح فلان أم لا؟ أزرت فلانًا أم لا؟ أعدته أم لا؟ أأنت راض بكذ أم لا؟ أسمعت كذا أم لا؟ أفعلت كذا أم لا؟ فكيف يُعقَل أن يكون المتكلم قصد ما ذكره سيبويه والمبرد؟! وأنت

(1) كتاب سيبويه 3/ 196.

(2) كتاب سيبويه 3/ 196.

(3) المقتضب 2/ 241.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت