فالاستفهام في (هل) في هذه المواضع جميعها كان الغرض منه نفس غرض الهمزة في قول الشاعر: أطربًا؟ استفهام أريد منه الإثبات والتقرير، ومن ذلك قوله تعالى: (قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ) {يوسف: 89} فقد جاء في الدر المصون أنَّ استفهام (هل) هنا أريد به التقرير والإثبات، إثبات علمهم بما فعلوه بأخيهم يوسف عليه السلام، فهو لم يرد أن يستفهم عن علمهم، وإنَّما أثبت لهم ذلك فوبَّخهم عليه، كحال همزة الاستفهام [1]
2 -علل المبرد انقطاع (أم) بعد (هل) واتصالها بعد الهمزة لكون (هل) غير خالصة لمعنى الاستفهام مثل الهمزة، وهذا ما صرَّح به بقوله المذكور: (( و(هل) تخرج من حد المسألة، فتصير بمنزلة (قد) 000 فالألف و (أم) لا ينقلان عن الاستفهام، كما تُنقَل هذه الحروف فتكون جزاء، ويكون ما كان منها يقع على الناس وغيرهم، نحو (مَن) و (ما) و (أيُّ) كذلك ))
تأمَّل قوله: (( و(أيُّ) كذلك ))أي: هي مثل (هل) غير خالصة لمعنى الاستفهام، فتكون استفهامًا وشرطًا وموصولًا، وتكون للناس ولغيرهم، لكن مع ذلك كانت (أيُّ) كما تقدم بإجماع النحاة والمفسرين التقدير الأوحد والعنوان الأمثل الذي أثبتوا به كون (أم) متصلة ليست منقطعة، وهذا ما صرَّح به المبرد نفسه في هذا المقام بقوله المذكور: (( ومن ذلك: هل زيد منطلق أم عمرو يافتى؟ أضرب عن سؤاله عن انطلاق زيد، وجعل السؤال عن عمرو، فهذا مجرى هذا، وليس على منهج قولك: أزيد في الدار أم عمرو؟ وأنت تريد: أيُّهما في الدار؟ ) )فلم يجعل (أم) بعد (هل) متصلة لأنَّها ليست بتقدير (أي) ، وجعلها بعد الهمزة متصلة لأنَّها بتقدير (أيُّ) وهذا ما صرَّح به أيضًا أبو علي بقوله المذكور (( ومما لا تكون(أم) فيه إلاَّ منقطعة قولهم: هل عندك زيد أم عمرو؟ فهذه لا تكون بمنزلة (أيّ) لأنَّك في (أيّ) تثبت أحد الشيئين أو الأشياء وتدعي أحدهما ))وهذا ما صرَّح به الجرجاني أيضًا بقوله المذكور: (( اعلم أنَّ(أم) لا تعادل غير الهمزة لأنَّ معنى المعادلة أن تتصل بها ويجريا معًا مجرى (أيُّ) ، و (أيّ) لإثبات واحد من شيئين أو أكثر، فإذا قلتَ: أزيد عندك أم عمرو؟ بمعنى: أيُّهما عندك؟ كنتَ قد أثبتَّ واحدًا من هذين بغير عينه ))فإذا كانت (أي) مع أنَّها غير خالصة لمعنى الاستفهام تعد عنوانًا للاستفهام المتصل، فكذلك تكون (هل) أيضًا
(1) ينظر: 6/ 551.