الصفحة 66 من 298

إنَّما يكون في الهمزة بدلالة أنَّك قد تستفهم وأنت مثبت كقوله: أَطَرَبًا وأنتَ قِنَّسْريُّ، ولا يجوز أن تثبت ب (هل) لو قلتَ: هل طربًا، فمن ثَمَّ لم يكن مع (هل) إلاَّ المنقطعة )) [1]

ومثل هذا قال الجرجاني: (( اعلم أنَّ(أم) لا تعادل غير الهمزة لأنَّ معنى المعادلة أن تتصل بها ويجريا معًا مجرى (أيُّ) ، و (أيّ) لإثبات واحد من شيئين أو أكثر، فإذا قلتَ: أزيد عندك أم عمرو؟ بمعنى: أيُّهما عندك؟ كنتَ قد أثبتَّ واحدًا من هذين بغير عينه، والهمزة لها أصل في الإثبات بدلالة ما ذكره من أنَّها تجيء للإثبات كقوله: أطربًا؟ لأنَّه لم يرد أن يستفهمه عن طربه، وإنَّما أثبت له ذلك فوبَّخه عليه، ولا يكون هذا الإثبات في (هل) لو قلتَ: هل تخرج؟ كان استفهامًا صريحًا، ولم تكن عالمًا بخروجه، وإذا كانت كذلك لم يجز أن تقول: هل زيد عندك أم عمرو؟ بمعنى: أيُّهما عندك؟ كما قلتَ: أزيد عندك أم عمرو؟ فاعرفه )) [2]

زعم الثلاثة المتكلمون عن لسان النحاة أنَّ علة كون (أم) بعد (هل) منقطعة، وأنَّها بعد الهمزة متصلة مجيء الهمزة للإثبات، والتقرير، والتوبيخ في حال الاستفهام المجازي، وعدم مجيء (هل) للإثبات ضمن هذا الاستفهام، لا أدري ما دليلهم في ذلك؛ لأنَّ (هل) وردت للإثبات في حال الاستفهام المجازي في مواضع كثيرة في القرآن الكريم، بل كانت أقوى من الهمزة في هذا المجال، حتى لشدة إثباتها جُعلت بمعنى (قد) في قوله تعالى: (هَلْ أَتَى عَلَى الأنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) {الإنسان: 1} [3] وهي كذلك في قوله تعالى: (وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى) {طه: 9} وقوله تعالى: (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ) {ص: 21} وقوله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ) {الذاريات: 24} وقوله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ) البروج: 17)

(1) المقتصد للجرجاني في شرح رسالة الإيضاح لأبي علي النحوي 2/ 250.

(2) المقتصد 2/ 250 - 251.

(3) ينظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة ص 282 والمقتضب للمبرد بتحقيق هرون 1/ 43 - 44، وبتحقيق بديع 1/ 85 وجامع البيان للطبري 29/ 240 ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج 5/ 200، والأزهية للهروي ص 217، والكشاف للزمخشري 4/ 653، ورصف المباني للمالقي ص 470 - 471.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت