الصفحة 64 من 298

والحقيقة أنَّ هذا التقدير مختلق، وأنَّ (أم) هنا عطفت (ِشاء) على (إبل) أي: عطفت مفردًا على مفرد، مما يدل على أنَّها هي نفس (أم) التي سموها عاطفة متصلة، ويكون هذا الشاهد من قول العرب الذي لم يذكر النحاة غيره دليلًا على جواز مجيء (أم) متصلة عاطفة بعد الخبر المحض، ولا يشترط فيها أن تكون مسبوقة بألف الاستفهام، وهذه هي الحقيقة التي استند إليها ابن مالك عندما قال: (( وإن ولي المنقطعة مفرد فهو معطوف بها على ما فبلها، كقول بعض العرب: إنَّها لإبل أم شاء فـ(أم) هنا لمجرد الإضراب عاطفة ما بعدها على ما قبلها 000 وزعم ابن جني أنَّها بمنزلة الهمزة و (بل) ، وأنّ التقدير: بل أهي شاء، وهذه دعوى لا دليل عليها ولا انقياد إليها، وقد قال بعض العرب: إنَّ هناك إبلًا أم شاءً، فنصب ما بعد (أم) حين نصب ما قبلها، وهذا عطف صريح مقَوٍّ لعدم الإضمار قبل المرفوع )) [1]

الفرق الثاني: مجيء المنقطعة من دون المتصلة بعد استفهام بغير الهمزة: ذهب جمهور النحاة إلى أنَّ مما يميز المنقطعة من المتصلة أن تكون من دونها مسبوقة باستفهام بغير الهمزة كقوله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء) {الرعد: 16} [2] وقد علل المبرد انقطاع (أم) بعد (هل) واتصالها بعد الهمزة فقال: (( ومن ذلك: هل زيد منطلق أم عمرو يا فتى؟ أضرب عن سؤاله عن انطلاق زيد، وجعل السؤال عن عمرو، فهذا مجرى هذا، وليس على منهج قولك: أزيد في الدار أم عمرو؟ وأنت تريد: أيُّهما في الدار؟ لأنَّ(أم) عديلة الألف، و (هل) إنَّما تقع مستأنفة، ألاَّ ترى أنَّك تقول: أما زيد في الدار؟ على التقرير، وتقول: يا زيد، أَسُكُوتًا والناس يتكلمون، توبِّخه بذلك، وقد وقع منه السكوت، ولا تقع (هل) في هذا الموضع، ألا ترى إلى قوله من الرجز: أَطَرَبًا وأنتَ قِنَّسْريٌّ؟ وإنَّما هو: أتطرب وهو في حال طرب؟ وذلك لأنَّ الألف و (أم) حرفا الاستفهام اللذان يُستفهَم بهما عن جميعه، ولا يخرجان منه، وليس كذا سائر حروف الاستفهام، لأنَّ كل حرف منها لضرب لا يتعدَّى ذلك إلى غيره، ألا ترى أنَّ (أين) هي سؤال عن المكان لا يقع إلاَّ عليه، و (متى) سؤال عن زمان، و (كيف) سؤال عن حال، و (كم) سؤال عن عدد، و (هل) تخرج من حد المسألة فتصير بمنزلة (قد) نحو قوله تعالى:

(1) شرح التسهيل 3/ 250.

(2) ينظر: شرح التسهيل لابن مالك 3/ 249 ومغني البيب 1/ 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت