يضاف إلى ذلك أنَّه ليس المراد أن تكون المعادلة بين حرفي الاستفهام (أم) والهمزة، بل بين المستفهم عنه بالأولى والمستفهم عنه بالثانية، أي: أن تكون المعادلة بين مضمون ما بعدها الذي لا يكون إلاَّ استفهامًا؛ لأنَّ (أم) يلازمها الاستفهام وبين مضمون ما فبلها، ولمَّا كان ما قبلها يجيء خبرًا واستفهامًا، فلا داعي بعد ذلك اشتراط معادلتها للهمزة فحسب،
ومع ذلك كله فقد أجمع النحاة على أنَّ (أم) المتصلة لا تجيء بعد الخبر المحض وتجيء بعده المنقطعة، فتفيد في هذه الحالة الإضراب عمَّا قبلها والانقطاع عنه؛ لذلك جعلوها بتقدير (بل) وألف الاستفهام نحو: قام زيد أم عمرو؟ وحكي عن العرب: إنَّها لإبل أم شاء، والتقدير: قام زيد بل أعمرو؟ وإنَّها لإبل بل أهي شاء؟ [1] والذي أراه أنَّها على العكس من ذلك تفيد في هذه الحالة الاستدراك على ما قبلها وإرجاعه ضمن استفهامها؛ لأنَّها موضوعة للاستفهام عما بعدها؛ ثم عطف هذا المستفهم بها ورده على ما قبلها سواء كان ما قبلها استفهامُا أم خبرًا، وسواء كان مستفهمًا عنه بالهمزة أم بغيرها، والدليل على ذلك أنَّه إذا قلنا: أوجب الله عليك طاعة والديك وعدم عقوقهما أم تريد أن تكون من أهل النار؟ فإنَّه ما من أحد يتردد في أنَّ المعنى المراد: أتريد أن تطيع والديك فتكون من أهل الجنة أم تريد أن تعقهما فتكون من أهل النار؟ كأنَّ المعنى: ماذا تريد أن تختار هذا أم هذا؟ وكذلك قول العرب: إنَّها لإبل أم شاء؟ فإنَّ المعنى المراد: أإنَّها لإبل أم شاء؟ بل قد تكون هذه الهمزة مقدَّرة؛ وكثيرًا ما تحذف همزة الاستفهام في اللغة، بل هذا الاستفهام كثيرًا ما يُعبَّر عنه بالنبر والتنغيم فيفهمه ويدركه السامع، والجدير بالذكر أنَّ جمهور النحاة جعلوا قول العرب: إنَّها لإبل أم شاء، بتقدير: إنَّها لإبل أم هي شاء، كان استنادًا إلى أنَّ (أم) منقطعة لكونها مسبوقة بخبر محض، و (أم) المنقطعة عندهم يجب أن يكون ما بعدها جملة،
(1) ينظر: كتاب سيبويه 3/ 195 - 196 والمقتضب 2/ 243 ومعاني الحروف للرماني ص 46، 240 وشرح كتاب سيبويه 3/ 414 والأزهية في علم الحروف ص 138 وشرح المفصل لابن يعيش 5/ 18 وشرح التسهيل لابن مالك 3/ 250 وشرح كافية ابن الحاجب 4/ 433 - 434 ورصف المباني ص 180 والجنى الداني ص 206 ومغني اللبيب 1/ 44 - 45 والبرهان في علوم القرآن ص 799 - 802 والإتقان في علوم القرآن ص 233 - 234 والزيادة والإحسان في علوم القرآن 8/ 47 - 48.