وهذا قول الكافرين اتهموا الرسول صلى الله عليه وسلم بأحد أمرين، إلاَّ أنَّهما تساويا عندهم، والاستفهام مجازي وهو للتقرير، وقد أريد منه حمل المخاطبين على الإقرار بتساوي هذين الاتهامين.
الوجه الثالث: (أم) المنقطعة: أجمع النحاة على أنَّ هناك (أم) منقطعة غير عاطفة تفيد الإضراب، وتكون بمعنى (بل) وحدها أو بمعنى (بل) والهمزة، أي: هي ليست كالمتصلة عاطفة لأحد الشيئين، أو لأحد الأشياء، ولا يطلَب بها التعيين [1]
(أم) المنقطعة هي (أم) المتصلة نفسها: تبيَّن مما مر تفصيله أنَّ (أم) المتصلة تجمع بين معنيي العطف والاستفهام، فهي من جهة المعنى الأول تكون عاطفة لأحد الشيئين أو لأحد الأشياء، وهي من جهة المعنى الثاني تجيء للاستفهام الحقيقي والمجازي، فإذا كان الاستفهام حقيقيًّا كان بمثابة سؤال موجه من سائل جاهل بالجواب يطلب من المسؤول تعيين أحد الشيئين أو أحد الأشياء، وإذا كان الاستفهام مجازيًّا وهو الغالب بل لم ترد في القرآن الكريم إلاَّ ضمن المجاز، كان بمثابة سؤال موجه من سائل يعلم بالجواب، فهو لا يريد من المسؤول تعيين أحد الشيئين، وإنَّما حمله على إقرار أحدهما أو إنكاره، أو إقرار أو إنكار كليهما، أو إقرار أحدها وإنكار الثاني. والحقيقة أنَّ هذا هو الغرض من استعمال (أم) أينما وردت في القرآن الكريم، أمَّا القول بـ (أم) المنقطعة فهو قول مختلق، هذه هي الحقيقة التي ستتضح من خلال دراسة الفروق التي اختلقها النحاة بين النوعين.
الفرق الأول: (أم) المنقطعة ومجيئها بعد الخبر المحض: اشترط النحاة لـ (أم) المتصلة أن تكون مسبوقة بهمزة استفهام؛ لتكون معادلة لها، وإلاَّ فهي منقطعة تفيد الإضراب عمَّا قبلها، ولا داعي لهذا الشرط؛ لأنَّ الاتصال والمعادلة في الحقيقة حاصلتان من دونها، والدليل على ذلك أنَّه ما من (أم) عُدَّت متصلة لسبقها بهمزة استفهام إلاَّ جاز حذف هذه الهمزة، وما كان هذا الجواز مطلقًا إلاَّ بسبب بقائها على معناها، وعلى أنَّ حذفها لا يغير شيئًا من اتصالها وتعادلها.
(1) ينظر: معاني الحروف للرماني ص 46 والأزهية ص 135 ورصف المباني ص 179 والجنى الجاني ص 205 ومغني اللبيب 1/ 44.