تكون (( لابتداء الغاية والمعنى: أنَّ محسبة الجاهل غناهم نشأت من تعففهم؛ لأنَّه لا يحسب غناهم غنى تعفف، إنَّما يحسبه غنى مال، فقد نشأت محسبته من تعففهم ) ) [1] وكذلك قالوا بمجيئها للتعليل في قوله تعالى: (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا) {نوح: 25} والصحيح أيضًا أنَّها للابتداء كما قال ابن عطية [2] فإغراقهم مبدؤه خطيئاتهم، وهذا المعنى الذي يفيده الابتداء يوهم أنَّها للتعليل، فقد تقدَّم قوله تعالى: (( الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) {قريش: 4} الذي تبدو (مِن) فيه للتعليل قال الحلبي (( قوله:(مِّن جُوعٍ) و (مِّنْ خَوْفٍ) للتعليل، أي: من أجل جوع وخوف )) [3] والصحيح كما تبيَّن أنَّها للابتداء، وقد تقدم قول ابن يعيش: (( وتقول: أطعمه من جوع، وعن جوع، فإذا جئت بـ(مِن) كانت لابتداء الغاية؛ لأنَّ الجوع ابتداء الإطعام، وإذا جئت بـ (عن) فالمعنى أنَّ الإطعام صرف الجوع؛ لأنَّ (عن) لما عدا الشيء )) [4] وقول الدكتور فاضل السامرائي (( فمعنى: أطعمه من جوع، أنَّه كان جائعًا فأطعمه، وليس معناه أنَّما أبعد الجوع عنه، فقد يكون أطعمه ولم يشبعه، أي: لم يبعد الجوع عنه، وسقاه ولم يروه، أي: لم يبعد الظمأ عنه، ولكنَّ المعنى: أنَّه كان ظامئًا فسقاه، أي: ابتداء السقي كان من حالة الظمأ، أي: أول ما نزل الماء نزل على ظمأ، فالظمأ كان ابتداء للسقي، وليس معناه: أبعد الظمأ عنه ) ) [5]
10 -البدل: قالوا بمجيئها بمعنى البدل في قوله تعالى: (أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ) {التوبة: 38} أي: بدل الآخرة، ومعنى البدلية قد يكون مفهومًا من السياق لا من (مِن) قال ابن هشام: (( وأنكر قوم مجيء(مِن) للبدل فقالوا: التقدير في قوله تعالى: (أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ) أي: بدلًا منها فالمفيد للبدلية متعلقها المحذوف، وأمَّا هي فللابتداء، وكذا الباقي )) [6]
(1) الدر المصون 2/ 620.
(2) المحرر الوجيز 5/ 376.
(3) الدر المصون 11/ 117.
(4) شرح المفصل 4/ 502
(5) معاني النحو 3/ 47.
(6) مغني اللبيب 1/ 320 - 321