فاستنادًا إلى ما تقدَّم يكون الفعل (نصر) كما يتعدى إلى مفعوله بـ (على) يتعدى إليه بـ (مِن) ، وكل من حرفي الجر هذين، يُؤتى به من دون الآخر في مقامه، وحسب المعنى الذي يراد التعبير عنه )) [1]
8 -معنى (في) : قالوا بمجيئها بمعنى (في) في قوله تعالى: (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ) {فاطر: 40} أي: في الأرض، بل هي على بابها للابتداء مثل ققولك: أخذته من التابوت، الذي جُعلت فيه (مِن) لابتداء الغاية وانتهائها، والتابوت الصندوق الذي يوضع فيه المتاع، أو هي للتبعيض؛ لأنَّ المعنى: (( أروني أيَّ شيء خلقوا من الأرض 000 وعن قتادة: لا شيء والله خلقوا منها ) ) [2] ، وقالوا أيضًا بمجيئها بمعنى (في) عند دخولها على الظرف كقوله تعالى: (أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) {الجمعة: 9} قال الزمخشري: (( فإن قلتَ:(مِن) في قوله تعالى: (مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ) ما هي؟ قلتُ: هي بيان لـ (إذا) وتفسير له )) [3] و (مِن) تكون كما وصفها إذا كانت للابتداء، وقال: (( فإن قلتَ: هل لزيادة(مِن) في قوله تعالى: (وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ) {فصلت: 5} فائدة؟ قلتُ: نعم؛ لأنَّه لو قيل: وبيننا وبينك حجاب، لكان المعنى: أنَّ حجابًا حاصل وسط الجهتين، وأمَّا بزيادة (مِن) فالمعنى: أنَّ حجابًا ابتدأ منَّا وابتدأ منك )) [4] فـ (مِن) هنا التي جعلها للابتدء هي مثل (مِن) في قوله تعالى: (مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ)
9 -التعليل: قالوا بمجيثها بمعنى التعليل في قوله تعالى: (يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ) {البقرة: 19} والصحيح أنَّها للابتداء؛ لأنَّه جعل الصواعق ابتداء وضع أصابعهم في آذانهم، أو جَعْلُ الأصابع في آذانهم يبتدئ من سماعهم للصواعق، فهي كقوله: (تعالى لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ) {البقرة: 273} فقد أجازوا في قوله (مِنَ التَّعَفُّفِ) أن
(1) النصب على نزع الخافض والتضمين من بدع النحاة والمفسرين /المبحث السادس / المطلب الثالث.
(2) جامع البيان 21/ 169.
(3) الكشاف 4/ 519.
(4) الكشاف 4/ 180.