الفعل (نجَّيناه) ، عاد بسرعة فنزع منه هذا التضمين، وبكلام صريح، وبنص قوله: (( وقد تقول: ما الفرق بين قولنا: نجيناه من القوم، وقولنا: نصرناه من القوم، والجواب أنَّ التنجية تتعلق بالناجي فقط؛ فعندما تقول: نجيته منهم، كان المعنى: أنَّك خلَّصته منهم، ولم تذكر أنَّك تعرَّضتَ للآخرين بشيء؛ كما تقول: أنجيته من الغرق، ولا تقول نصرته من الغرق؛ لأنَّ الغرق ليس شيئًا يُنتَصف منه، أمَّا النصر منه، ففيه جانبان في الغالب، جانب الناجي، وجانب الذين نُجِّي منهم، فعندما تقول: نصرته منهم، كان المعنى: أنَّك نجَّيته وعاقبتَ أولئك، أو أخذتَ له حقَّه منهم ) ) [1]
فـ (مِن) إذن هي بمعنى (مِن) وليست بمعنى (على) ، و (نصرناه) هو بمعنى (نصرناه) وليس بمعنى (نجَّيناه) ، فتأمَّل كيف أنَّه نفى تضمين (نصرناه) معنى (نجيناه) بعد أن نفى ترادفهما [2] هذا ما أكَّده الدكتور الفاضل على الرغم من أنَّه أقر بالتضمين واستحسنه وجعله من لطائف البلاغة في بدء كلامه، إلاَّ أنَّه نسفه نسفًا في آخر كلامه من حيث لم يشعر.
فالدكتور فاضل السامرائي، حين أقر بالتضمين أول مرة، كان استنادًا إلى أنَّ (نصرناه) و (نجيناه) مترادفان، فاضطر إلى القول بترادفهما؛ لأنَّ التضمين قائم على أساس هذا الترادف، لكنَّه لما أراد أن يبيِّن بلاغة القرآن في هذا المقام نفسه، اضطر إلى القول بعدم ترادفهما، لأنَّ بلاغة القرآن قائمة على إلغاء هذا الترادف، ومن هنا نؤكد ما قلناه: إنَّ القول بالتضمين، والقول ببلاغة القرآن الكريم قولان متناقضان، ولا يمكن التوفيق بينهما البتة، بل إثبات أحدهما، لا يتمُّ إلاَّ بعد أن يتمَّ إلغاء الآخر
(1) معاتي النحو 3/ 12 - 13.
(2) استعملت مصطلح الترادف في كتابي: النصب على نزع الخافض بمعنى التطابق، وقد بينتُ الفرق بينهما في مقدمة كتابي: لا وجوه ولا نظائر.