وقال القرطبي: (( في تأويل(يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ) وجهان: أحدهما: يحفظونه من الموت ما لم يأت أجل، قاله الضحاك، الثاني: يحفظونه من الجن والهوام المؤذية ما لم يأت قدر قاله أبو أمامة وكعب الأحبار، فإذا جاء المقدور خلوا عنه )) [1]
فقول من قال بأنَّ (مِن) جاءت بمعنى الباء تحريف للغة وللتفسير، وهو قول من لم يتحقق من قوله، ولم يمعن النظر في تفسير الآية ودراستها؛ فـ (مِن) باقية على معناها؛ فهي هنا للابتداء، لأنَّه سبحانه لو أراد معنى الباء لجاء بلفظها وقال: بأمر الله )) [2]
وقالوا بمجيئها بمعنى الباء في قوله تعالى: (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ) {غافر: 15} أي: بأمره، والصحيح أنَّها بمعناها ومعناها الابتداء [3] وقالوا أيضًا بمجيئها بمعنى الباء في قوله تعالى: (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ {4} سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) {القدر: 4 - 5} بل هي بمعناها كالشاهد السابق للابتداء، وقالوا أيضًا بمجيئها بمعنى الباء في قوله تعالى: (يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ) {الشورى: 45} والصحيح أنَّها على بابها للابتداء أو تبعيضية [4] قال الدكتور فاضل السامرائي: (( ويترجح عندي أنَّها للتبعيض أي: ينظرون ببعض طرفهم، وهو المناسب لمشهد الذل الذي هم فيه ) ) [5]
7 -معنى (على) : قالوا بمجيئها بمعنى (على) في قوله تعالى: (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) {الأنبياء: 77} أي: على القوم، قال الحلبي: (( قوله(مِنَ الْقَوْمِ) فيه أوجه، أحدها: أن يُضمَّن (َنَصَرْنَاهُ) معنى: منعناه وعصمناه فلمَّا ضُمِّن معناه تعدى تعديته ـ والثاني: أنَّ (نصرَ) مطاوعه (انتصر) فتعدى تعدية ما طاوعه، والثالث: أنَّ (مِن) بمعنى (على) ، أي: على القوم )) [6] وقد رجَّح الدكتور فاضل السامرائي وجه التضمين فقال:
(1) الجامع لأحكام القرآن 9/ 211.
(2) لا وجوه ولا نظائر رقم 73.
(3) ينظر: الدر المصون 9/ 463.
(4) ينظر: الدر المصون 9/ 564.
(5) معاني النحو 3/ 70
(6) الدر المصون 8/ 184.