وصف نفسه بالمجيء في قوله تعالى: (وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) {الفجر: 22} وهذا ظاهر البعد، ويؤيد أنَّ باء التعدية بمعنى الهمزة قراءة اليماني: أذهبَ اللهُ نورهم )) [1]
وهذه القراءة شاذة، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنَّها حتى لو صحت لا تكون دليلًا على ما قاله المرادي، لأنَّ قراءة الآية بقراءة أخرى لا تكون إلاَّ لإرادة معنى آخر، ويكون الغرض من الجمع بين القراءتين إرادة الجمع بين معنييهما، وقوله (( لأنَّ الله تعالى لا يوصف بالذهاب ) )تعطيل لصفات البارئ عز وجل، فصفات الله سبحانه وتعالى: كالذهاب والمجيء والصعود والنزول والسمع والبصر يجب إثباتها كما أثبتها الله سبحانه وأثبتتها السنة الصحيحة، من دون تعطيل ولا تأويل، ومن دون أن نسأل ونبحث عن الكيقية، هذه هي عقيدة أهل السلف وعقيدة أهل التوحيد، وقد بيَّنَّا الفرق بين استعمال الباء وعدم استعمالها، وقد استعملت الباء في قوله تعالى: (ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ) لا لمصاحبة الفاعل للمفعول، وإنَّما لإصاق الفعل بالمجرور، فلو قيل: أذهب الله نورهم، كما جاء في قراءة اليماني الشاذة لوقع (نورهم) مفعولًا به لـ (أذهب) ولكان الذهاب قد وقع على النور واستوعبه، وما أريد هذا المعنى بل أريد إلصاق الذهاب به، والفرق بين المعنيين كبير، لأنَّ تسليط الذهاب على النور واحتوائه يعني محق النور ومحوه، وليس كذلك إلصاق الذهاب به، فهو لا يعني إفناء النور، وإنَّما خطفه من أمامهم ومن بين أيديهم وإبعاده عنهم، وهذا أدل على قرب الله الذاهب لنورهم منهم، وأدل على قدرته عليهم، وهو أنَّه سبحانه ذهب بنورهم عن قرب منهم لا عن بعد.
7 -جعل الباء للمصاحبة بمعنى (مع) : ومن شواهدهم فيه قوله تعالى: (وَإِذَا جَآؤُوكُمْ قَالُوَا آمَنَّا وَقَد دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ) {المائدة: 61} وقوله تعالى: (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا) {هود: 48} وقوله تعالى: (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ) {طه: 78}
فقد جُعلتْ الباء في الشاهد الأول بمعنى (وَقَد دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ) (( ملتبسين بالكفر، أي: ومعهم الكفر، كقولهم: خرج زيد بثيابه، وقراءة من قرأ:(تَنْبُتُ بِالْدُّهْنِ) المؤمنون:
(1) الجنى الداني ص 37 - 38 وينظر: مغني اللبيب 1/ 102 والدر المصون 1/ 162 والبرهان ص 834 والإتقان ص 242 والزيادة والإحسان 8/ 75.