الصفحة 162 من 298

وكذلك قالوا كما تقدم بأنَّ الباء بمعنى (في) في قوله تعالى: (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا {17} السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا) {المزمل: 18} أي: منفطر فيه، أعيد وأكرر أنَّه يجب ثم يجب أن نبقي الحرف على بابه، ثم نفسر الشاهد القرآني استنادًا إلى معناه الموضوع له، وهذا ما فعله الزمخشري ففسر هذا الشاهد القرآني بقوله: (( والباء في(بِهِ) مثلها في قولك: فطرتُ العود بالقدوم فانفطر به، يعني أنَّها تنفطر بشدة ذلك اليوم وهوله، كما ينفطر الشيء بما يفطر به، ويجوز أن يراد السماء مثقلة به إثقالًا يؤدي إلى انفطارها لعظمه عليها وخشيتها من وقوعه )) [1] وقيل الباء فيه للاستعانة أو للسببية والمعنى (( متشققة بسبب هوله ) ) [2] والاستعانة والسببية من لوازم معنى الإلصاق.

فيكون الفرق العام بين الباء و (في) أنَّ الباء إذا قيل بأنَّها تفيد معنى الإلصاق فإنَّه يراد منه معنى الالتباس والاختلاط، أمَّا (في) فإنَّه يراد منها الظرفية، فالمجرور بـ (في) يكون ظرفًا للشيء، ولا يكون جزءًا منه، أمَّا المجرور بالباء فيكون ملتبسًا بالشيء، كأنَّه صار جزءًا منه، ولهذا آثر كثير من الأساتذة أن يقولوا: الدكتور فلان الأستاذ بجامعة كذا، على قولهم: في جامعة كذا، استنادًا إلى أنَّ الجامعة تكون مؤلفة من مبنى وأساتذة وطلاب، فاستعمال الباء يعني جعل الأستاذ جزءًا من الجامعة

6 -أن تكون الباء للتعدية: قال المرادي: (( وباء التعدية هي القائمة مقام الهمزة في إيصال معنى الفعل إلى المفعول نحو قوله تعالى:(ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ) {البقرة: 17} وقوله تعالى (لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ) {البقرة: 20} ومذهب الجمهور أنَّ باء التعدية بمعنى همزة التعدية لا تقتضي مشاركة الفاعل للمفعول، وذهب المبرد والسهيلي إلى أنَّ باء التعدية تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول في الفعل، قال السهيلي: إذا قلتَ: قعدتُ به، فلا بدَّ من مشاركة، ولو باليد، ورُدَّ عليهما بقوله تعالى: (ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ) لأنَّ الله تعالى لا يوصف بالذهاب مع النور، وأجيب بأنَّه يجوز تعالى: وصف نفسه بالذهاب على معنى يليق به، كما

(1) الكشاف 4/ 629.

(2) الدر المصون 10/ 528.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت