الأصل في الفعل (تبوَّأ) أنَّه يتعدَّى إلى مفعوله بـ (في) ، وقد ورد في القرآن الكريم تعديه إليه بالباء كالشاهد المذكور، وتعديه إليه بـ (من) كقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء) {يوسف: 56} وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا) {العنكبوت: 58} وكذلك جاء تعديه إليه بـ (من) في الحديث المشهور: من كذب علي متعمدًا فليتبوَّأ مقعده من النار. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة [1]
وكذلك من حيث الدلالة، فقد (( قال المفسرون لمَّا أُرسل موسى أمر فرعون بمساجد بني إسرائيل فخربت كلها، ومنعوا من الصلاة فأُمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلوا فيها خوفًا من فرعون ) ) [2] فقال: بمصر، ولم يقل: في مصر؛ لأنَّهم لم يكونوا بعد متمكنين فيها.
وكذلك جعلوا الباء بمعنى (في) في قوله تعالى: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ {137} وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) {الصافات: 137 - 138} أي: وفي الليل، وفي التفسير أنَّ في هذه الآية خطابًا موجهًا إلى المشركين من أهل مكة الذين (( كانوا إذا ذهبوا إلى الشام وجاؤوا مروا على قرى قوم لوط صباحًا ومساءً ) ) [3] فالمراد إذن من قوله تعالى: (وَبِاللَّيْلِ) المساء ليقابل، المعطوف عليه (مُّصْبِحِينَ) و (مُّصْبِحِينَ) حال، والذي يناسب الحال الباء وليس (في) ، هذا من جهة ومن جهة أخرى أنَّه لو قال: وفي الليل، لكان المراد كل أوقاته التي من ضمنها وسط الليل وظلامه الدامس، والمراد من سياق الآية أن يعتبر المشركون من أهل مكة بما يرونه في سفرهم من آثار عقاب الله التي حلت بالقرى الظالمة، وفي الليل تنعدم الرؤية، لذلك قال: (وَبِاللَّيْلِ) ليعني أوله قبل أن يشتد ظلامه فيغطي بظلامه كل شيء، بل العرب كانوا عادة لا يسافرون في الليل.
(1) النهاية في غريب الحديث والأثر 1/ 162.
(2) الوسيط في تفسير القرآن المجيد 2/ 556 وينظر: مدارك التنزيل وحقائق التأويل ص 482 - 483.
(3) زاد المسير 6/ 321.